العرب ومواجهة إسرائيل: مساهمة في النقاش

بقلم: ماجد كيالي

شهدت البيئتين العربية والدولية، خلال العقد الماضي، العديد من التحولات والتطورات النوعية التي عكست نفسها على قضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي وعلى أشكال ووسائل هذا الصراع، ولكن عملية دراسة أو تمثّل هذه التحولات والتطورات لم تتم في التفكير السياسي وفي الخطابات السائدة على الساحة العربية إلى الدرجة المناسبة التي تمكّن من إنتاج الخطط ووسائل العمل اللازمة للتعامل معها.
والمشكلة هنا أن الخطابات السياسية العربية التي تفسر الأحوال السائدة مازالت أسيرة مفاهيمها التقليدية لقضايا الصراعات الدولية والإقليمية وأدواته وغاياته، وهي (على الأغلب) خطابات عامة أيدلوجية أو أخلاقية لا تتعامل مع المتغيرات أو التفاعلات وموازين القوى، بقدر تعاملها مع الثوابت والرغبات، وهي خطابات تعيد إنتاج البديهيات من المقولات والشعارات أكثر بكثير من اشتغالها على فكفكة إشكالياتها وصوغ الإستراتيجيات اللازمة لتحقيقها، إذ يجري الحديث عن الوحدة العربية باعتبارها أمرا مسلما به في واقع ينتج القطرية، وعن اعتبار قضية فلسطين أو مواجهة إسرائيل قضية عربية بامتياز (وهذا صحيح)، ولكن من دون دراسة مدى تمثّل هذه الحقيقة في الوعي والممارسة السياسيين، وعن خيار الحرب النظامية أو الشعبية ضد إسرائيل دون تفحّص البنيات التي يفترض أن تقوم بذلك أو الإمكانيات المتوفرة فضلا عن الإرادة اللازمة لذلك لدى القوى المسيطرة، وأحيانا نتحدث عن فشل خيار الحل العسكري في مواجهة إسرائيل وكأنه كان خيار متجسد بالفعل، دون التساؤل عن مدى مراوغة وتواطؤ هذه المقولة مع الرواية الرسمية التي تم بها تبرير التوجه نحو خيار التسوية، تماما كما تم تبرير ضعف عملية التنمية وتغييب الديمقراطية بالانشغال بالصراع مع إسرائيل، برغم من أن إسرائيل نفسها استقرت وتطورت في ظل مثل هذا الصراع.
والمفارقة أن هذه الخطابات وهي تحيل، في مبالغة لافتة، كل المصائب التي تحل بالعالم العربي إلى العامل الموضوعي/الخارجي، فإنها في المقابل تنهج عكس ذلك، في خطاباتها التثويرية، بحيث تبالغ هنا بالنزعة الإرادوية للتغيير مستهترة بموازين القوى وبمستوى التطور الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.
كما أن هذه الخطابات ما زالت محكومة بالمقولات الثنائية الضدية، إذ ثمة صراع بين الخير والشر وبين أن نكون أو لا نكون كما بين هذا الخيار أو نقيضه، أي الوحدة والتفرقة، التقدم والرجعية، الحرب والسلام الاستقلال والتبعية.
المعنى من ذلك أن التفكير السياسي العربي أحوج ما يكون اليوم إلى تجديد مفاهيمه وخطاباته للانتقال من حيز الدعوة والتمني إلى حيز الممارسة السياسية، ومن المبالغة بدور العامل الخارجي إلى التفكير بدور العامل الداخلي في المسؤولية عن تدهور الأوضاع العربية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي الحقيقة فإن التجربة التاريخية وتعقد القضايا المطروحة تفترض إبداء قدر مناسب من المسؤولية والموضوعية في تفكيك وتفحص البديهيات والشعارات والرغبات الذاتية (المشروعة والتي لا خلاف عليها)، بدلا من استسهال الحديث عنها، وعليه فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: أين نحن من هذه المقولات؟ ولماذا عندما طرحنا الوحدة العربية وجدنا أنفسنا نتوق حتى للوحدة الوطنية، وعندما طرحنا التحرير وجدنا أنفسنا غير قادرين على تحقيق تسوية تضمن الحد الأدنى من الحقوق، وعندما طرحنا الاشتراكية إذا بنا ندخل الرأسمالية من بابها المتوحش والاستهلاكي وعندما قلنا أننا ضد التخلف إذا بنا ننتج يوميا التبعية والتخلف والفساد؟.
عموما فإن الأفكار الواردة هنا هي محاولة أولية للمساهمة في قراءة المحددات والإشكاليات الجديدة للصراع العربي ـ الإسرائيلي، وللتحولات الطارئة عليه لدى مختلف الأطراف، من خلال تحليل المعطيات والمتغيرات الدولية والإقليمية وموازين القوى، ضمن المدى المنظور، وذلك في محاولة لإنتاج فهم إيجابي للواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في المنطقة العربية، بخاصة في هذا الزمن زمن الدولة القطرية والمصالح والنسبيات. وعليه فإن هذه المحاولة هي:
أولا: بحاجة إلى مزيد من المحاولات والتفاعلات بخاصة وأن القضايا المطروحة هي قضايا معقدة وملتبسة في مرحلة انتقالية لم تستكمل أبعادها بعد(دوليا وعربيا وفلسطينيا) ما يتعذر معه إعطاء أجوبة نهائية على الأسئلة المختلفة التي تطرحها.
ثانيا: إن هذه المساهمة هي مجرد تحليل للواقع القائم والإرادات الأطراف فيه، بغض النظر عن الموقف من هذه التحولات والمتغيرات، إذ أن الاعتراف بالواقع لا يفترض التخلي عن البديهيات الوطنية-القومية-التاريخية بدعوى التجديد لأن مثل هذا التخلي هو بمثابة استسلام للمتغيرات والتحولات المفروضة بوسائل القوة والهيمنة وهو تكيف سلبي، مثلما أن تجاهل الواقع لا يغير فيه شيئا.
ثالثا: إن عملية التفكير السياسي تفترض، نظريا وعمليا، التمييز بين مستوى أولي معني بقراءة الواقع من الناحية المعرفية بغض النظر عن الرغبات، والمستوى الثاني المعني بحكمنا القيمي عليه: السياسي والحقوقي والأخلاقي، سلبا أو إيجابا، رفضا أو قبولا، وهذا المستوى يعكس وعي الذات والرغبات أو والطموحات، بغض النظر عن موازين القوى، وصولا إلى المستوى الثالث الذي يحدد سبل التأقلم مع الواقع أو مقاومته، وصولا لتطويره و/أو تغييره.
ولا شك في أن الرؤية السياسية التي تسعى لإيجاد الوسائل التي تجسر الفجوة بين المستويين الأول والثاني، عبر ملاءمة القدرات وموازين القوى مع الآمال والطموحات، استنادا إلى قراءة صحيحة للواقع، بمعطياته ودينامياته، والتي لا تقع في فخ الارتهان لأية ثنائية بشكل حتمي أو مبسط، بخاصة في واقع معقد كواقع الصراع العربي ـ الإسرائيلي، هي الرؤية التي تجنب تحول السياسة إلى مجرد شعارات أو توهّمات، وهي التي تجعل من السياسة ممارسة مجتمعية وقوة فعل متمثلة في ديناميات ووسائل متحققة، في مختلف مجالات النشاط الإنساني، على المستوين الفردي والمجتمعي.
أيضا ثمة مشكلة أخرى تحد من مستوى نضج الخطابات السياسية العربية، تنبع من انتشار الأمية وضعف الميل للمطالعة وانتشار "الثقافة التلفزيونية"، كما تنبع من حداثة التفكير السياسي في البلدان العربية وضعف المؤسسات والتفاعلات والعلاقات السياسية، وانصراف الناس عن الاهتمام بالشأن العام لهمومهم الخاصة.
ولعل هذه الأسباب هي التي تفسر ندرة المعالجات السياسية التي تساهم في إنتاج تفكير سياسي عربي يتجاوز البحث في البديهيات إلى البحث في الإشكاليات، وبالتالي التفكير بالواقع العربي بصورة مركبة، بتعقيداته وترابطاته ومدخلاته المحلية والدولية.
على هذا الأساس يمكن القول بأن أية محاولة لانتاج رؤية سياسية استراتيجية لمقاومة المشروع الصهيوني وتقويض مرتكزاته القديمة والجديدة، لا بد أن تتضمن فهما واضحة لتناقضات هذه العملية وتعقيداتها وتطوراتها وأشكالها النضالية المتاحة كما للتحولات الحاصلة لدى أطرافها: إسرائيليا، فلسطينيا، عربيا، دوليا، وخاصة أن هذه الرؤية مطالبة بالجسر بين المرحلي والمستقبلي، بين الواقع والطموحات، بين العدالة النسبية والعدالة المطلقة.
وباعتقادي فإن عملية مراجعة وتجديد التفكير السياسي، في حقل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، تكتسب مشروعيتها وضرورتها من تمثّل التحولات الأساسية الآتية:
أولا: تغير البيئة السياسية الدولية وهيمنة الولايات المتحدة على "النظام الدولي الجديد". إذ أنه مع انهيار الاتحاد السوفيتي انتهى النظام الدولي السابق (نظام القطبين)، الذي تشكل بعيد الحرب العالمية الثانية، وانتهت معه الحرب الباردة، التي اعتبر الصراع العربي ـ الإسرائيلي لأسباب معينة، أحد تجلياتها؛ برغم من أنه سابق لها. وقد استفادت إسرائيل من هذا التحول، في حين تأثر به العرب سلبا، خاصة وأن الولايات المتحدة الأميركية، هي حليف استراتيجي للدولة العبرية، وهي ضامنة أمنها وتفوقها النوعي: الاقتصادي ـ التكنولوجي ـ العسكري، وهي التي تؤمن لها الدعم السياسي على الصعيد الدولي. والولايات المتحدة الأميركية من موقعها هذا تسعى إلى فرض الترتيبات الإقليمية السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة، التي تتلاءم مع مصالحها الكونية والإقليمية، وفي منطقة بأهمية المنطقة العربية للسياسة الدولية، وحيث تكاد العوامل الخارجية تصبح من مكونات العوامل الداخلية، من الصعب التفكير بإمكان تفرّد العرب بطريقة مواجهة إسرائيل، حصل ذلك في فترة الصراع مع الدولة العبرية وهو يحصل الآن في مرحلة التسوية معها، بخاصة في ظل الواقع العربي الراهن، وبحكم علاقات الارتهان والمصالح التي تربط معظم الأنظمة العربية بالولايات المتحدة الأميركية.
في هذا الإطار يمكن الاستنتاج بأن الواقع المتمثل بتحرر الولايات المتحدة الأميركية من ضغوط الحرب الباردة في المنطقة والذي يدفع بها نحو تمرير عملية التسوية بين إسرائيل والأقطار العربية، لاعتبارات تتعلق بسياساتها ومصالحها يطرح تساؤلا مشروعا حول إمكانية ازدياد التعارض بين السياسة الأميركية والسياسة الإسرائيلية في المنطقة، لا سيما في حال زيادة كلفة التغطية الأميركية للسياسات الإسرائيلية، على المستويين الإقليمي والدولي، وبالتالي تحول إسرائيل إلى عبء ضاغط عليها وعلى مصالحها، في حال توفر الشروط المناسبة.
ثانيا: التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات العربية الحاصلة بنتيجة التفكك العربي والتهميش الاقتصادي وتعثر المسار الديمقراطي، ثم بسبب التداعيات السلبية الناجمة عن حرب الخليج الثانية. فقد أسهمت هذه العناصر، في إنتاج البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا تضع قضايا الانتماء والمصالح العربية على رأس جدول أعمالها، كما أسهمت في تنامي نزعة فك الارتباط بقضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
والنتيجة التي ينبغي استخلاصها هنا، وبناء على التطورات الدولية والعربية، هي ضرورة ملاحظة التحول النوعي الكبير في العلاقات العربية ـ الإسرائيلية والتي أدت إلى اعتماد العرب "السلام خيارا استراتيجيا" والتخلي عن الطابع التقليدي للصراع مع إسرائيل، وتغير موضوع هذا الصراع من ممانعة وجود إسرائيل في المنطقة، إلى البحث في شكل هذا الوجود، أو بمعنى آخر التخلص من ملف حرب 1948 ونتائجها، إلى البحث في ملف حرب 1967 وآثارها، أي تجاوز جذور الصراع إلى البحث في مظاهره، وبذلك فقد تغيرت ميادين الصراع مع إسرائيل تغيرا نوعيا، من ميادين الحرب والمقاطعة إلى ميادين المفاوضات والمصالحة، ومن حيز العداء والنفي إلى حيز التعايش والقبول (وربما التعاون في بعض الحالات)، وإن كان هذا الحيز لا يزال يتضمن بعضا من مظاهر الصراع بسبب من طبيعة القضايا المرتبطة به، وبسبب من الغطرسة الإسرائيلية.
مع ذلك فإن هذا التحول، برغم ما يعنيه من غبن للحقوق العربية، يتضمن ضغطا باتجاه ترسيم حدود إسرائيل ودفعا باتجاه تحولها إلى دولة عادية، بكل ما لذلك من آثار وانعكاسات على وعيها لذاتها أو على دورها في المنطقة. المعنى من ذلك هو أن الانتقال من استراتيجية الصراع المباشر مع إسرائيل على وجودها إلى استراتيجية استيعاب هذا الوجود لإدخال تحولات جديدة فيه، هي ربما إحدى رهانات عملية التسوية التي تحمل في داخلها، مثلها مثل أي ظاهرة، نقيضها. ومن شأن هذا التحول أن يسهم في تقويض الإجماع في المجتمع الإسرائيلي الناجم عن الإحساس بانعدام الأمن بسبب الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبالتالي قد يؤدي إلى ازدياد الخلافات والتناقضات الداخلية، وهو ما نشهد بعضا من ملامحه اليوم.
ولكن ما يجب وعيه هنا، أيضا، هو أن إسرائيل قادرة بحكم نظامها الديمقراطي (نسبة لمواطنيها) وبحكم إدارتها لعلاقاتها ومستوى تطورها على السيطرة على هذه الخلافات وتوجيهها بما يخدم توجهاتها السياسية لاستدرار العطف عليها دوليا ولابتزاز الوضع الإقليمي، وما يجب التأكيد عليه هنا، أيضا، أن هذا الأمر يرتبط أيضا وأساسا بحسن إدارة العرب لصراعهم الطويل مع إسرائيل.
والنتيجة أنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار هذا التحول وانعكاساته على مجمل أشكال ومستويات الصراع مع إسرائيل، مع الأخذ بعين الاعتبار، أيضا، بأن وقائع المفاوضات بيّنت بأن العرب يفتقدون لاستراتيجية مشتركة في عملية التسوية مع إسرائيل بقدر افتقادهم لمثل هذه الاستراتيجية في صراعهم معها.
والواقع أيضا فإن ما يحصل، على صعيد التعاطي الرسمي، مع قضية التكامل الاقتصادي أو السياسي أو التعاون الثقافي أو العلمي، يسحب نفسه على قضية التضامن أو التعاون العربيين في مجال الصراع العربي – الإسرائيلي، وقد أثبتت التجربة أن العرب مختلفون فيما بينهم على هذا الموضوع، أو على غيره، أكثر من اتفاقهم على مواجهة مخاطر الوجود الإسرائيلي في المنطقة.
ونتيجة ذلك فمن الطبيعي أن تواجه قضية فلسطين في العالم العربي، انتكاسات وتعقيدات، مثلها مثل أي قضية أخرى، كقضية التكامل الاقتصادي أو التبادل التجاري، أو توحيد مناهج التربية والتعليم، مثلا، وحل هذه المعضلة لا يكمن في إعطاء أولوية لهذه القضية أو تلك على حساب غيرها، لأن الحل أساسا يتوقف على وضعية الإنسان العربي أي وعيه لذاته ولمواطنيته وشكل علاقته بالسلطة مرورا بمستوى تطور المجتمعات العربية والنظام السياسي العربي، وبدون ذلك، أي بدون مواطنين وبدون مصالح مشتركة وملموسة لا يمكن أن توجد قضايا كبرى، وحتى أنه لا يمكن أن يوجد من الأصل سلّم أولويات مشترك، اللّهم إلا في الخطابات ووسائل الإعلام، وأيضا في الذكريات، وهذا ما تؤكده اليوم الحقائق المحيطة بالقضية الفلسطينية وانتفاضة الأقصى.
وفي الواقع فإن التحولات العربية المذكورة باتت تنعكس بكثافة على الساحة الفلسطينية التي باتت تواجه تعقيدات ومحددات جديدة، لا سيما أن التجربة التاريخية بينت صعوبة تطور العمل الفلسطيني بمعزل عن حالة النهوض الشعبي العربي، وبمعزل عن الشرعية الرسمية العربية، الخاصة وبسبب عدم التكافؤ بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لصالح هذا الأخير؛ كون الكيان الصهيوني بني على أساس مواجهة الوضع العربي وعلى قياسه، وهذه إحدى المعضلات البنيوية التي يعاني منها العمل الفلسطيني.
ثالثا: أيضا، فإن الفكر السياسي العربي معني بتمثل التحولات الكبيرة في حقل العلاقات والصراعات وموازين القوى الدولية، والتي أدت إلى تضاؤل عناصر القوة التقليدية المتمثلة بمساحة الدولة وعدد سكانها وقدرتها العسكرية، بنتيجة التطورات والثورات العلمية والتكنولوجية ومسارات العولمة الاقتصادية والسياسية والإعلامية. والمشكلة هنا هي أن هذه التحولات في أشكال وأساليب حل الصراعات، تأتي(للأسف) في وقت لا تستطيع فيه الأقطار العربية مواكبة هذا التغير، وهي ليست مستعدة له، أيضا. فالدول العربية التي لم تهيئ أسباب كسب الصراع بالوسائل العسكرية مع إسرائيل، لا يبدو أنها مستعدة أو مهيأة لخوض هذا التحدي معها في المجالات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعلمية، بسبب طبيعتها كسلطة، وبسبب ضعف البنى التي تستند عليها.
والواضح أن عدم جهوزية العرب لذلك لا تنبع من مشكلة ما في الإمكانيات ولكنها تنبع من كون هذه الإمكانيات، على الأغلب، كامنة أو مقيدة أو مبعثرة، ما يعني أن المشكلة لا تكمن فقط في تحرر الإرادة وإنما هي تكمن، أيضا، في مستوى إدارة الصراع والقدرة على تنظيم القدرات.
أما المشكلة الثانية فهي تتمثل في توازن القوى بين الطرفين، فالمقارنة هنا هي ليست بين العرب (ولو كحالة افتراضية ممكنة) وبين إسرائيل بذاتها، وإنما هي مقارنة بإسرائيل باعتبارها تمتلك قيمة مضافة من الغرب (خاصة من الولايات المتحدة الأميركية )؛ والقيمة المضافة هنا تعني موارد مالية، وسلع، وتجهيزات تسلح، وتكنولوجيا، وخدمات متنوعة من ضمنها الدعم السياسي، بالإضافة أصلا إلى ضمان أمن إسرائيل وتفوقها.
وعليه فإن هذه المقدمات تشير إلى أن قرار الحرب والصراع العنيف، بات محدود جدا، بل أنه يكاد أن لا يكون بيد العرب (بفرض أنهم رغبوا به)، إضافة إلى ذلك فإن العلاقات الإقليمية التي يجري العمل على صوغها بين إسرائيل وبين الأقطار العربية في مختلف المجالات، ومن ضمنها في المجال الأمني، تحول دون إمكانية اعتماد هذا الخيار بشكل جدي، خاصة على الصعيد الرسمي وعلى الأقل في ظل المعطيات الدولية والإقليمية الراهنة. في مقابل ذلك تتوضح إمكانات خوض هذا الصراع، في المجالات الأخرى: الاقتصادية والثقافية والعلمية والتكنولوجية، أي أن الصراع مع إسرائيل لم يعد (وهو ليس بالضرورة) حكر على الأشكال العسكرية والنظامية التي تضطلع فيها الدولة بالدور الأساس، وإنما بات مجالا للمشاركة الشعبية وعلى مستوى كل فرد، مع عدم استبعاد إمكانية بروز البعد العسكري للصراع، بحدود مسيطر عليها، في بعض المراحل والأزمات، وإمكانية استمرار التناقضات بين الدول العربية وإسرائيل بحكم تضارب المصالح والأولويات.
رابعا: الحقيقة الأخرى التي ينبغي تمثلها في الفكر السياسي العربي، والتي غالبا ما يجري القفز عنها من قبل معظم المحللين، إنما تتعلق برؤية إسرائيل لعملية التسوية وتأثيراتها على شكل وجودها ودورها في المنطقة. ذلك أن أحد أهم معوقات التسوية وبالتالي الاندماج الإسرائيلي في المنطقة، لا يتعلق برغبة أو عدم رغبة العرب بالتسوية أو قبولهم أو مقاومتهم لها، فحسب، وإنما يتعلق أيضا، بموقف إسرائيل ذاتها من هذه التسوية ومن عملية الاندماج الإقليمي في المنطقة كما بينت التجربة.
فعملية التسوية، برغم الإجحاف الكامن فيها بالنسبة للحقوق العربية، أدت إلى انهيار عدة حكومات إسرائيلية، كما أدت إلى تفاقم التناقضات الداخلية الإسرائيلية، والتي وصلت حد اغتيال أحد أهم رؤساء حكومات إسرائيل أواخر العام 1995(اسحق رابين). وتفسير ذلك أنه ومن أوجه عديدة فإن عملية التسوية تسهم بشكل مباشر وغير مباشر في ترسيم حدود إسرائيل الجغرافية والبشرية، وتعريف هويتها كما تسهم بتحويلها من دولة بذاتها إلى دولة لذاتها، أي من دولة تخدم المركز الإمبريالي الذي يمدها بأسباب التفوق والبقاء إلى دولة عادية تخدم ذاتها بذاتها، ومن دولة ليهود العالم إلى دولة لليهود فيها.
وتلك هي مشكلة إسرائيل مع عملية التسوية. وهذه المشكلة تنبع من واقع أن المشروع الإسرائيلي هو مشروع سياسي ـ وظيفي وهو أيضا مشروع استيطاني ـ إحلالي، لذلك فهو يختلف عن المشاريع الاستعمارية الاقتصادية أو المشاريع الاستيطانية الأخرى التي يمكن تفكيكها(حالة الجزائر) أو التي يمكن إدماجها (جنوب إفريقيا). والمجتمعات الاستيطانية المصطنعة التي تفرض نفسها بوسائل القوة والإكراه والتي ترتكز على الأسس الأيدلوجية، العنصرية والغيبية، لا تبدو مستعدة للاعتراف بالآخر ولا بالمظالم التي ارتكبتها بحقه، لذلك فهي مجتمعات تقاوم أية تسوية مع الآخر لأنها تتضمن تسوية قد تصل إلى حدود نفيها لذاتها، وهذا ما يفسر كل هذا الجدل وكل هذه التناقضات التي تعيشها الساحة السياسية الإسرائيلية اليوم، وهو ما يفسر وإلى حد بعيد ظهور عملية التسوية وكأنها عملية تجري بين الإسرائيليين أنفسهم.
والواقع، أيضا، هو أن هذه المجتمعات والدول الوظيفية المصطنعة لا تتوجه إلى التسوية من تلقاء ذاتها أو بشكل عادي، مثل المجتمعات والدول العادية، وإنما هي تضطر إلى ذلك بعد أن تتوصل إلى القناعة بعدم جدوى مشروعها بالشكل الذي هو عليه، أو بسب ارتفاع كلفته بسبب المقاومة التي يتعرض لها، أو بدفع من الضغوط الخارجية التي تواجهه، أو بفعل تضافر أكثر من عامل من هذه العوامل.
حتى الآن تبدو إسرائيل حائرة بين الحفاظ على طبيعتها العنصرية العدوانية وخطابها الأيدلوجي وبين متطلبات التأقلم مع مسارات عملية التسوية ومع الاستحقاقات المطلوبة منها، ولو بالحد الأدنى، للتكيف مع مسارات العولمة والتحولات في عناصر امتلاك القوة ومسايرة السياسات والترتيبات الإقليمية التي تديرها الولايات المتحدة الأميركية.
وفي الوقت الذي تبدو فيه المراجعة الإسرائيلية، ولو المحدودة والاضطرارية، للمشروع الصهيوني بمثابة تعبير عن وصول هذا المشروع إلى سقفه فإنها من ناحية أخرى تعبر عن التناقضات التي باتت تعتري الكيان الإسرائيلي، كما أنها أيضا نتيجة طبيعية لنضال الفلسطينيين الطويل والعنيد والمرير، وثمرة من ثمار سياسة الممانعة في الساحة العربية ينبغي العمل على رعايتها وتنميتها وتفويت محاولات إسرائيل إفراغ هذا النجاحات من مضمونها.
والمعنى هنا أنه ينبغي إيجاد تقدير غير مستند للأوهام لطبيعة التحولات الإسرائيلية وحدودها، فثمة تغيرات، ينبغي عدم الاستهانة بها، ولكن أيضاً ينبغي عدم التعويل عليها، لأنها تجري في نطاق السيطرة وفي نطاق بحث إسرائيل عن سبل التكيف مع المتغيرات للحفاظ على أمنها واستقرارها وتطورها في المنطقة. وهذا ما يفسر التناقض الإسرائيلي تجاه عملية التسوية، حيث أن إسرائيل، من جهة، مضطرة للتكيف مع عملية التسوية وترتيباتها الإقليمية من خلال تلبية بعض الاستحقاقات من مثل التخلي عن فكرة "إسرائيل الكبرى" والانسحاب من بعض الأراضي الفلسطينية، والاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولة فلسطينية بحدود سيادية معينة ما يمثل مراجعة لبعض المنطلقات الصهيونية التقليدية وخاصة لمقولتي "أرض الميعاد" و"أرض بلا شعب.
أما من الجهة الأخرى فهي تحاول تجميد هذه التسوية عند أدنى حدود لها، كما تحاول مقايضتها بالميزات الهامة التي تسعى لتحقيقها في مجال أمنها واستقرارها وشرعية وجودها وتطبيع علاقاتها مع البلدان العربية، والانخراط من موقع متميز في المنظومة الإقليمية المقترحة، كما تطمح إسرائيل أن يتيح لها ذلك تعزيز مكانتها الاستراتيجية في السياسة الأمريكية.
خامسا: على هذا الأساس، وعلى ضوء موازين القوى والمعطيات الراهنة، وبسبب تعقيدات الصراع العربي-الإسرائيلي ومداخلاته الإقليمية والدولية، يمكن (من الناحية النظرية) التمييز بين مستويين من مستويات الصراع ضد المشروع الصهيوني/الإسرائيلي: المستوى الأول يتعلق بالصراع من أجل تقويض المرتكزات الصهيونية والدور السياسي ـ الوظيفي للدولة العبرية، وهذا المستوى مرتبط بالبعد العربي للصراع؛ والمستوى الثاني يتعلق بالنضال ضد الاحتلال ومختلف مظاهره: الاستيطان ومصادرة الأراضي، محاولات تهويد القدس، سياسات القمع والتهميش الاقتصادي، وطبيعي أن هذا المستوى مرتبط بالبعد الوطني (الفلسطيني) للصراع وهو يستهدف دحر الاحتلال وبناء مرتكزات الفلسطينيين: السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وصولا لإقامة الدولة الفلسطينية وتجسيد حق العودة. وطبيعي أن الصراع في إطاره الثاني( الإسرائيلي-الفلسطيني) هو الذي يبرز في هذه المرحلة، عبر الانتفاضة أو في المقاومة اليومية للفلسطينيين ضد الاحتلال، وذلك بسبب توفّر البيئة العربية والدولية الداعمة والتي تقر بشرعية هذه المقاومة وتدعمها. ومن الطبيعي أن انحسار الصراع في مستواه الأول يضعف الصراع في المستوى الثاني والعكس صحيح، ولكن المستوى الوطني يمكنه في ظل انحسار البعد العربي من الصراع أن يعبر عن نفسه وان يواصل دوره الخاص لانتزاع ما يمكن تحقيقه، والبناء عليه لتحقيق مزيد من الإنجازات، وهو ما تفعله الانتفاضة.
وعلى كل فإن التمييز بين مستويي الصراع له أهمية نظرية، أما من الناحية العملية فثمة ارتباط وثيق بينهما، فبرغم كل ما تحققه إسرائيل من ميزات ونجاحات لجهة تثبيت شرعية وجودها واستقرار كيانها، وتطبيع علاقاتها، فإنها بالمقابل تواجه إخفاقات وتناقضات، لا سيما بما يتعلق ببروز تناقضاتها الداخلية وضعف قدرتها على تغييب الفلسطينيين، وأيضا بما يتعلق بتراجع أدائها لدورها السياسي- الوظيفي في المنطقة، على خلفية عملية التسوية والمتغيرات الدولية والإقليمية. بهذا المعنى، وطالما أنه من المتعذر تفعيل المستوى المتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي، وهو المستوى المتعلق بـ"التحرير" لأسباب ذاتية أو موضوعية، يصبح من المهم التركيز على المستوى الثاني المتعلق بدحر الاحتلال من كل الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، وبذل الجهود من أجل تطبيق قرارات المجتمع الدولي بشأن حقوق الفلسطينيين لا سيما حقهم بتقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة وحق العودة للاجئين، لأن ذلك يساهم في تحديد حدود المشروع الصهيوني، وتعزيز إخفاقاته في منطلقات أساسية له، كما أنه يعتبر جزءا من سياق عملية"التحرير"، في مضامينها الديمقراطية التي تفترض خلق المسارات التي تمهد لحل المشكلتين اللتين خلقتهما الحركة الصهيونية وهما المشكلة الفلسطينية والمشكلة الإسرائيلية، ربما، من خلال قيام دولة ثنائية القومية أو دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين، تتجاوب مع التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحاصلة في المنطقة العربية.
في هذا الإطار فإنه لم يعد من الممكن تجاهل التحولات التي حققتها عملية التسوية على الساحة الفلسطينية برغم كل اجحافاتها وتناقضاتها، فقد أدت هذه العملية إلى انتهاء مرحلة من مراحل العمل الوطني الفلسطيني بكل مالها وما عليها، وأدت إلى نشوء كيان فلسطيني من دون إنجاز كامل لمهمات مرحلة التحرر الوطني. والمشكلة الأساسية في هذا التحول في إطار الحركة السياسية الفلسطينية وفي علاقة طرفي التناقض الفلسطيني ـ الإسرائيلي هي أنه لم يحدث بنتيجة تغير موازين القوى لصالح الفلسطينيين والعرب عموما، أو نتيجة تحقيق حركة التحرر الفلسطينية لأهدافها، أو تخلي العدو عن طبيعته أو احتلاله، وإنما أنه حدث في إطار عملية تسوية ظهرت بدفع من التغيرات الدولية والإقليمية والإسرائيلية، كما أنه تأسس، أيضا وبالتأكيد، بفعل صمود الفلسطينيين في أرضهم واستمرار نضالهم وانتفاضاتهم التي أثبتوا من خلالها عقم محاولات إسرائيل تجاهل وجودهم وشطب حقوقهم السياسية، ما يعني أن الفلسطينيين حققوا نجاحا نسبيا على عدوهم برغم اختلال موازين القوى لصالحه، برغم من أن الصراع لم يحسم حتى الآن.
وعموما فلقد أكدت التجربة بأن عملية السلام مع إسرائيل مازالت بعيدة بسبب من الطبيعة الصهيونية: العنصرية والاستيطانية للدولة العبرية، وبسبب من رؤيتها لذاتها ولدورها في المنطقة، لذلك فإن هذه العملية التي يجري فرضها في المنطقة تبدو أقرب إلى مجوعة من الترتيبات الإقليمية السياسية والاقتصادية والأمنية، منها إلى التسوية، أما التسوية التي يجري فرضها على المسار الفلسطيني فهي لن تكون بأية حال تسوية عادلة أو نهائية، حتى بالمعنى النسبي، لذلك فهي مجرد تسوية مرحلية لا تشكل نهاية المطاف في الصراع من أجل حقوق الفلسطينيين، من النواحي التاريخية والحقوقية والأخلاقية، ما يعني أنه في كلا الحالين فإن الصراع العربي ـ الإسرائيلي سيستمر وإن بوسائل وتعبيرات مختلفة، ليست بالضرورة وسائل عنيفة أو استئصالية؛ وهذا ما يفسر ظهور العملية التفاوضية باعتبارها عملية صراعية بحد ذاتها.
مع ذلك فإن التسوية التي عنوانها قيام دولة فلسطينية والانسحاب الاسرائيلي من الجولان السورية وباقي الأراضي اللبنانية المحتلة وقيام علاقات تعاون إقليمي مع إسرائيل ستستمر لأن القوى التي تقف وراءها أقوى بكثير من قوى المقاومة والممانعة، ولكن ذلك لن ينتج بأي حال من الأحوال إلا نوعا من "السلام البارد"، كما أثبتت التجربة المصرية. أما مآل هذه التسوية فهو محكوم بحجم القضايا التي يجري حلها وبالمعطيات التي ستولدها ديناميات عملية التسوية مع الزمن على صعيد مختلف الأطراف.
وعليه فإن هذه التسوية قد تقود إلى اهتزازات مستقبلية لإعادة النظر في ما تم فرضه على العرب في هذه الشروط غير المواتية، وقد تمهد الطريق، في ظل تولد معطيات أخرى، وبحسب تطور الوضع على الجانب العربي، نحو السلام الذي يتضمن عناصر العدالة والحق، والذي قد يقود إلى قيام دولة ديمقراطية لمواطنيها أو دولة ثنائية القومية في أرض فلسطين التاريخية، تحل في آن معا قضية الفلسطينيين وقضية التجمع الاستيطاني اليهودي في إسرائيل، بالارتباط مع التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمنطقة العربية.
الخلاصة: تبدو الخطابات السياسية العربية بحاجة ماسة إلى مراجعة مناهجها وأولوياتها ووسائل عملها، والانتقال من مجرد الاكتفاء بطرح القضايا الكبرى إلى الانشغال بتحقيق القضايا الملموسة والممكن إنجازها، باعتبارها في ذاتها شرطا لتحقيق القضايا الكبرى، وبالانطلاق من رؤية عملية التغيير باعتبارها ليست مجرد عملية انقلابية تتم دفعة واحدة أو بالضربة القاضية وإنما باعتبارها عملية تراكمية وتدريجية ومركبة.
وإضافة لما تقدم، فإن الخطابات السياسية العربية معنية بإعادة الاعتبار لعمليات التنمية والديمقراطية والتحديث: السياسي والاقتصادي والثقافي والمجتمعي، والتي طالما جرى حجبها أو التقليل من شانها بحجة الانشغال بالصراع مع العدو الإسرائيلي، ففي الواقع فإن هذه القضايا لا تدخل في صلب الاستجابة الضرورية للحاجات والأولويات العربية، فحسب، وإنما هي أيضا تشكل استجابة حقيقية لتحديات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبالتالي للارتقاء إلى مستوى التحدي الذي تمثله إسرائيل للعالم العربي، بنموذجها السياسي وبتطورها الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي، والذي لا يقتصر فقط على الناحية العسكرية.
المهم أنه ثمة ملامح عديدة تشير إلى حصول تطورات مهمة في نمط التفكير السياسي العربي، ولكن هذه المحاولات مازالت تحتاج إلى مزيد من الإنضاج ومزيد من التحرر من القيود والانحيازات المسبقة، كما أنها تحتاج إلى مزيد من التفاعلات والمؤسسات.