العرب والمصريون وجدوا بوصلتهم!

جاء الرئيس عبد الفتاح السيسي الى قصر الحكم عبر صناديق الانتخابات بنسبة تزيد عن 96% متفوقا في عدد الأصوات عن الرئيس المعزول محمد مرسي بأكثر من عشرة ملايين صوت..شرعيته لا تقبل الطعن ولا الشك..إنتهت مقولة أن 30 يونيو شبه ثورة وشبه إنقلاب..برهن المصريون أنهم مع الدولة التي مثلها السيسي وليس مع الثورة ورمزها صباحي..

أدرك المصريون أن بلادهم خرجت من عاصفة الإخوان التي ألبست الربيع العربي في كل مكان من المحيط للخليج عباءة إخوانية..كذلك ايقن العرب أنهم لو فقدوا مصر سيحاصرون بين حكمين للمرشد..أحدهما في طهران والآخر في القاهرة..وإذا كان الأمل مستحيل في تغيير المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية, فان تغيير مرشد الإخوان بالقاهرة أسهل وأسرع..لماذا؟ لأن روح مصر وهويتها وتركيبتها وحضارتها المتجذرة لا تقبل إحتلالا دينيا يلغي الثقافة ويلجم العقول ويصادر الحريات ويحكم بما يزعم انه أوامر الهية مع انها دنيوية ومصلحية!

أمل العرب كان معقودا على مصر لسبب جوهرى آخر, وهو أن جيشها يختلف عن هوية الجيوش الاخرى في دول الربيع العربي, فهو وطني نظامي عقيدته القتالية للدفاع عن الأرض وليس الحاكم..لكن هذا الجيش البطل الذي أنقذ مصر والعرب صار مصدر توجس وقلق من جانب بعض المصريين..

لا يمكن إنكار ما فعلته الميادين يوم أسقطت محمد مرسي..لكن الدول لا يمكن أن تقيم في الميادين الى ما لا نهاية..تضيع الصورة إن لم تقم الدولة العادلة..تسود الفوضى إذا تأخر قيام المؤسسات استنادا الى إرادة الناخبين..أعرف المخاوف التي تراود بعض المصريين, وأولها خشيتهم من أن يعتبر الجيش هو الحزب الحاكم في المرحلة المقبلة..وأن تؤدي المعركة القاسية ضد الإرهاب الى ايقاظ شهية اجهزة الامن في توسيع الاعنقالات والضغط علي الحريات,لكني افترض ان قراءة هادئة لمجريات سنوات العاصفة تبين خطورة العودة الي ارتداء الحكم ازياء قديمة لايقبلها الشباب الذين ثاروا ضد القهر والفقر والفساد والظلام..

لن تكون مهمة الرئيس عبد الفتاح السيسي سهلة على الإطلاق..لكن من حسن حظ مصر أنها عثرت خلال العاصفة على أشقاء وأصدقاء اتخذوا قرارا قاطعا بـ "منع سقوط مصر", خلافا للموقف الأميركي والتردد الغربي..كان العمود الفقري لهذا القرار الموقف الذي أعلنه الملك عبد الله بن عبد العزيز في يونيو الماضي, وجدده قبل أيام بلغة واضحة وصارمة وقاطعة..وهو موقف تبنته أيضا دولة الإمارات ولم تكن الكويت بعيدة منه..عبر الدعم المالي أنقذت السعودية الاقتصاد المصري من الانهيار, وعبر الدعم السياسي وفرت لمصر مظلة عربية ودولية ساعدتها على استكمال خطوات الخروج من العاصفة.

بعد إجراء الإنتخابات التشريعية المقبلة تكون مصر استكملت خطة عودتها في الداخل لتبدأ معركتها الكبرى في التنمية والاستقرار والعودة الى اجتذاب السياح والمستثمرين..حسن إدارة المرحلة سيحرم الجناح المتصلب في "الإخوان" من أخذ الجماعة الى خيار انتحاري كامل. والسلطة مطالبة بأن تكون مخيفة لمن تلوثت يداه بالدماء ومقنعة لمن لم يفعل..حسن إدارة المرحلة سيدفع شرائح من الجمهور المقابل الى إعادة النظر في حساباته وسيطمئن الخائفين من سطوة العسكريين..

حين تعود مصر الى العرب, على اهل الإقليم أن يأخذوا ذلك في الاعتبار خصوصاً أولئك الذين تضخمت أدوارهم واعتقدوا أن من حقهم أن يصنعوا لمصر لونها وأزياء مستقبلها..أغلب الظن أن وصول السيسي موجع لأهل القرار في أنقرة والدوحة وطهران والخرطوم وغزة, وكذلك لمن يحولون ليبيا اليوم الى مصدر خطر على نفسها وجيرانها.

تخطئ دمشق أيضا إذا قرأت وصول السيسي من زاوية هزيمة "الإخوان" وحدها..استمرار العلاقات المصرية ـ السعودية بزخمها الحالي يؤسس لإعادة بناء محور الاعتدال في المنطقة ويؤسس لترميم دور اللاعب العربي فيها..

حين تعود مصر يعود اللاعب المصري الى الإقليم..وعلى بعض من راهنوا على غيابه الدائم أن يتحسسوا حدود ادوارهم..