العرب والمسلمون وانتخابات الكونجرس الامريكي القادمة

بقلم: علاء بيومي

تشهد انتخابات التجديد لأعضاء الكونجرس الأمريكي المنتظر انعقادها في نوفمبر من العام الحالي ظاهرة سياسية جديدة وفريدة من نوعها، وعلى أعلى درجة من الأهمية للمسلمين والعرب في أمريكا وخارجها، ألا وهي حقيقة وجود العشرات من أعضاء الكونجرس المساندين لقضايا المسلمين والعرب، والذين يدخلون انتخابات هذا العام وقد ألقوا بثقلهم خلف المسلمين والعرب وقضاياهم معرضين أنفسهم لسخط وضغوط جماعات ضغط سياسية أمريكية عديدة، وعلى رأسها قوى اليمين المتشدد واللوبي الموالي لإسرائيل.
ومع مرور الوقت و دخول موسم الانتخابات التشريعية مراحله الهامة تزداد حملة الجماعات المتشددة على أصدقائنا في الكونجرس، بينما يزداد اعتماد هؤلاء الأصدقاء علينا واحتياجهم لنا لكي نمد لهم يد العون والمساعدة بعد أن أثبتوا مساندتهم لنا، ليس من خلال موقف أو موقفين قاموا بهم مؤخرا لجذب اهتمامنا، ولكن من خلال سنوات عديدة أنفقوها في مساعدتنا داخل أروقة الكونجرس غير مبالين بأصعب الظروف، بما في ذلك أزمة سبتمبر وما تبعها من حملات تشويه وافتراء سياسي على المسلمين والعرب وقضاياهم، وتخويف من يحاول مساندتهم خفية أو علانية خاصة داخل أروقة الكونجرس الذي يعد المسرح الأول لتأثير جماعات الضغط واللوبي.
فأعضاء الكونجرس الذين نتحدث عنهم هنا هم أصدقاء ومساندين حقيقيين لنا ولقضايانا، وقد أثبتوا مساندتهم لنا ليس من خلال وعود انتخابية أو رؤى مستقبلية براقة، وإنما خلال مواقف حقيقية فعلية عديدة ساندوا خلالها أهم وأعز قضايانا كمسلمين وعرب، سواء كنا نعيش داخل أو خارج أمريكا، وعلى رأس هذه القضايا القضية الفلسطينية، ومكافحة التحيز الأمريكي لصالح إسرائيل، وانتقاد الاحتلال الإسرائيلي وما يقوم به من انتهاكات لحقوق الشعب الفلسطيني.
ومنها أيضا انتقاد العقوبات الأمريكية على العراق وليبيا، وقطع أمريكا معوناتها عن لبنان، ومطالبة أمريكا بتحسين علاقتها مع مختلف الدول العربية والإسلامية كالسعودية ومصر وسوريا وإيران وباكستان وغيرهم من الدول العربية والإسلامية.
وطالما نادى أصدقاؤنا داخل أروقة الكونجرس ومن خلال كتاباتهم ومواقعهم على شبكة الإنترنت بأن تحسن أمريكا علاقتها بالبلدان والشعوب العربية والمسلمة، وأن تأخذ من بينهم العديد من الحلفاء والأصدقاء، وألا تتخذ سياسيات أحادية تجاه قضايا العالمين الإسلامي والعربي دون الرجوع إلى هؤلاء الحلفاء، وأن تراعي الولايات المتحدة دائما وفي جميع سياساتها مشاعر وأحاسيس وقيم المجتمعات المسلمة والعربية.
أما على المستوى الداخلي ومساندة هؤلاء الأعضاء لحقوق وحريات المسلمين والعرب الأمريكيين فتحدث ولا حرج، فهم يشجعون مشاركة المسلمين والعرب في السياسة الأمريكية، ويدفعون بأبنائهم في مختلف المناصب، ويكادوا يشكلون سياجا واقيا يحيط بالمسلمين والعرب لحماية حقوقهم وحرياتهم المدنية في فترة ما بعد 11 سبتمبر 2001.
والأمثلة كثيرة وناصعة فجون كونيورز (النائب الديمقراطي عن ولاية مشيجان) على سبيل المثال لا يكاد يترك أسبوع دون أن يتخذ موقفا مساندا للمسلمين والعرب وقضاياهم، وديفيد بونيور (النائب الديمقراطي عن ولاية مشيجان) كمثال ثاني استطاع حشد العديد من رجال الكونجرس في أكثر من موقف لمساندة وتمرير قرارات وقوانين تحمي حقوق وحريات المسلمين والعرب المدنية.
أما سنثيا ماكيني (النائبة الديمقراطية عن ولاية جورجيا) فشجاعتها فريدة في مساندة المسلمين والعرب وقضاياهم، ومثلها في ذلك مثل إريل هيلليارد (النائب الديمقراطي ممثل ولاية ألباما) والذين يتعرض لحملة قاسية يشنها عليه اللوبي الإسرائيلي سعيا لإسقاطه لسبب واحد فقط وهو مساندته لقضايا المسلمين والعرب وخاصة في فلسطين.
أما النواب العرب الأمريكيين مثل داريل عيسى (النائب الجمهوري عن ولاية كاليفورنيا) ونك راهل (النائب الديمقراطي عن ولاية غرب فيرجينيا) وجون سانونو (النائب الجمهوري عن ولاية نيو هامشير) فمواقفهم المساندة للمسلمين والعرب عديدة ومعروفة، وإن كانوا يتعرضون للمعارضة - من قبل الجماعات المعارضة لمساندة الكونجرس لقضايا المسلمين والعرب - بشكل تلقائي، وسواء رضوا أو لم يرضوا، وذلك لسبب بسيط هو أصلهم العربي.
أما معارضة اليمين المتشدد واللوبي الإسرائيلي لهؤلاء النواب فهي كبيرة، إذ يسعون إلى إضعاف هؤلاء النواب بشتى الطرق، وفي مطلع العام الحالي هاجمت تلك الجماعات النائب ديفيد بونيور لقبوله دعم مالي من الجماعات المسلمة والعربية، ووصفت الجماعات المتشددة أموال المسلمين والعرب بأنها أموال مشبوهه تدعم الإرهاب، وطالبت ديفيد بونيور بإعادة بعض هذه الأموال، ولكنه تحداها ورفض إعادة الأموال.
وفي نفس الفترة تقريبا انتقدت هذه الجماعات النائب جون سانونو لعلاقته برجل السياسة العربي الأمريكي المعروف جورج سالم، وقالت أن جورج سالم صاحب أراء موالية للفلسطينيين وطالبوا جون سانونو بقطع علاقته معه، ولكن جون سانونو رفض، ولذا استمرت حملة اللوبي الإسرائيلي ضد جون سانونو وجورج سالم إلى الحد الذي دفع البيت الأبيض للتدخل والدفاع عن جورج سالم والذي تربطه علاقة طيبة بالرئيس الأمريكي.
وبعد كل قرار يصدره الكونجرس في مساندة إسرائيل تخرج المنظمات الموالية لإسرائيل بقائمة جديدة بالأعضاء الذين لم يساندوا هذه القرارات، ويسمونها قائمة أعداء إسرائيل في الكونجرس، وينشرونها في دوائرهم وأحيانا في بعض وسائل الإعلام بهدف التشهير بهؤلاء الأعضاء وإسقاطهم.
وقد يتعدى الأمر أحيانا مستوى التشهير وحملات الإسقاط، فقد قبضت السلطات الأمريكية منذ عدة شهور على بعض أعضاء رابطة الدفاع اليهودية (JDL) بتهمة التخطيط لتفجير بعض المؤسسات المسلمة والعربية في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، ومن بين المؤسسات التي كانوا ينون استهدافها مكتب النائب العربي الأمريكي داريل عيسى، وذلك بسب مواقفه المساندة لقضايا العرب والقضية الفلسطينية في الكونجرس.
أما النائبة سنثيا ماكيني فهي تواجه حملة شرسة لا تتوقف، وقد نشرت صحيفة عربية أمريكية وهي صحيفة الزيتونة في عددها الصادر في 7 يونيو 2002 خبرا عن لقاء جمع سنثيا ماكيني مع بعض قيادات المسلمين والعرب في ولاية ألينوي، وقد نقلت الصحيفة حديث سنثيا ماكيني خلال اللقاء عن حملة استهدافها من قبل اللوبي الإسرائيلي، وطالبت المسلمين والعرب بمساندتها بأسرع ما يمكن ومساندة نائب أخر يتعرض لظروف مشابهة وهو النائب إريل هيلليارد ممثل ولاية ألباما.
وقد ذكرت سنثيا ماكيني أن اللوبي الإسرائيلي يحاول إسقاطها وإسقاط هيلليارد لمواقفها العادلة تجاه قضية الشرق الأوسط ، وبعض النظر عن أدائهما وسجلاتهما المشرفة كأعضاء في الكونجرس حريصين على المصلحة الأمريكية.
وذكرت سنثيا ماكيني أن اللوبي الإسرائيلي جمع حوالي نصف مليون دولار لمنافس إريل هيلليارد في شهر واحد، ويواجه إريل هيلليارد غريمه هذا في معركة انتخابية هامة وفاصلة في الخامس والعشرين من يونيو الحالي، ودعت سنثيا ماكيني المسلمين والعرب لحشد قواهم لمساندة هيلليارد، وقالت أن اللوبي الإسرائيلي إذا استطاع إسقاط هيلليارد فهذا معناه أنه سوف يستطيع إسقاطها.
وهذا يدفعنا إلى باب الحديث عما يمكننا فعله، إذ نحتاج إلى التحرك الفوري والقوى على ثلاثة مستويات أساسية.
على المستوى الأول يحتاج المسلمون والعرب الأمريكيون حشد مواردهم المالية للعمل السياسي، وقصر تبرعاتهم على الأغراض السياسية من الآن وحتى شهر نوفمبر إذا أمكن، وذلك لدعم أعضاء الكونجرس المساندين لهم من خلال أنقى صور الدعم وهي تقديم الموارد المالية.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن متوسط ما يمكن جمعه لكل عضو مساند لنا هو ما يتراوح بين 100 و 150 ألف دولار أمريكي لأدركنا أن المسلمين والعرب الأمريكيين يحتاجون جمع ما لا يقل عن 3 ملايين دولار أمريكي وتخصيصها لإغراض التبرع المالي للمرشحين فقط.
وأعتقد أن هذا المبلغ ليس كبيرا إذا أخذنا في الاعتبار أنه سوف يعود على المسلمين والعرب بنفع كبير في قضايا هامة كفلسطين وكشمير وحماية حقوقهم وحرياتهم المدنية، وغيرها من القضايا الهامة والحساسة لكل مسلم وعربي.
على المستوى الثاني هناك حاجة إلى شراكة استراتيجية بين المسلمين والعرب في أمريكا وخارجها خلال موسم الانتخابات، ينهض فيها مسلمو وعرب الخارج بأعباء العمل الإسلامي والعربي الأمريكي ذو الطبيعة غير الانتخابية حتى يتفرغ فيها المسلمون والعرب الأمريكيون للعمل السياسي الانتخابي.
وفي نفس الوقت يمكن للعالم الإسلامي والعربي مساندة عمل المسلمين والعرب الأمريكيين السياسي بوسائل عديدة تحددها قوانين الانتخابات الأمريكية، خاصة في مجال التوعية الإعلامية وتشجيع المشاركة في الحياة العامة الأمريكية، وهي مجالات هامة من شأن العناية بها ودعمها توفير وحشد طاقات مسلمي وعرب أمريكا المحدودة نسبيا للعمل السياسي الانتخابي المباشر.
على المستوى الثالث هناك دور كبير جدا للإعلام العربي والإسلامي في هذه الانتخابات، وذلك من خلال حشد المسلمين والعرب في أمريكا وخارجها حولها وتوعيتهم بالمرشحين المساندين لهم، وطرق مساندتهم ودعمهم التي يتيحها القانون الأمريكي، وأعتقد أن الإعلام المسلم والعربي ظل يبحث من الحادي عشر من سبتمبر عن مبادرة ديبلوماسية يقوم بها للتأثير في الوعي السياسي الأمريكي، وذلك كدبلوماسية مقابلة لديبلوماسية الشعوب التي أطلقتها أمريكا للتأثير على الوعي السياسي الجماهيري العربي.
وأعتقد أن حشد الجماهير المسلمة والعربية في أمريكا وخارجها حول انتخابات نوفمبر 2002 هو خطوة عملية محددة وواضحة يمكن القيام بها على صعيد التأثير على الوعي السياسي الجماهيري الأمريكي، لأننا لن نتمكن من ذلك دون وجود حد أدنى من القوة السياسية التي تسمح لنا بالتحرك نحو هذا التأثير. * علاء بيومي ، كاتب ومحلل سياسي مقيم في واشنطن