العرب من وجهة نظر يابانية

اليابان لم تحتل بلدا عربيا، وليس لها ماض استعماري مع العرب، كما أنها تمثل بلدا نشيطا مبدعا منظما مطواعا محافظا على أصوله الحضارية.


الكتاب هو أشبه باليوميات؛ يوميات ياباني في بلاد العرب ملاحظات وانطباعات عابرة ولمحات ذكية ولكنها ذات قيمة


العرب همشوا ثقافة الشرق الأقصى في خضم تبعيتهم الدائمة للثقافة الأورو أميركية

لليابان حضور طيب في الوجدان العربي وتقبل مبدئي، ذلك أن اليابان لم تحتل بلدا عربيا، وليس لها ماض استعماري مع العرب، كما أنها تمثل بلدا نشيطا مبدعا منظما مطواعا محافظا على أصوله الحضارية منفتحا على ثقافة العصر ومشاركا إيجابيا فيها عبر ما يقدمه للإنسانية من ثمرات الفكر والعلم والتقانة. إنها باختصار مثال حي لحل واقعي لجدلية الأصالة والمعاصرة أو الخصوصية والغيرية. 
هكذا هي الصورة اليابانية في المخيلة العربية. ونقطة أخرى فحين قررت اليابان الانفتاح على الدنيا والخروج من عزلتها الحضارية والجغرافية بعد مغامرة أسرة الميجي 1868-1912 وأفضالها على اليابان وهي تشبه في تراثنا أفضال هارون الرشيد والمأمون في إنشاء بيت الحكمة والانفتاح على ثقافة العالم القديم آنذاك. في ذلك الوقت بالذات أرسل محمد علي باشا أول بعثة عربية مصرية إلى إيطاليا  وفرنسا عامي 1813 و1826 للدراسة والترجمة، وكان في البعثة رفاعة رافع الطهطاوي، لكن اليابان نجحت ولحقت بالعصر وفشلنا نحن فرغم تواصل البعثات وأشكال الإصلاح إلا أننا بتعبير الدكتور زكي نجيب محمود نعيش عالة على الآخر ولا نقدم شيئا للعالم ناهيك عن الاستبداد والفساد حد العبثية .
ولاشك أننا - العرب- همشنا ثقافة الشرق الأقصى في خضم تبعيتنا الدائمة للثقافة الأورو أميركية، نكاد نخسر جزءا مهما من الثقافة والتثاقف مع الآخر ومن كسب أصدقاء ومؤيدين للقضايا العربية في الطرف الآخر من الأرض وقد كان المصور الياباني ريوشي هيروكاوا صاحب فضل علينا نحن العرب فهو الذي نقل صور مأساة مخيمي صبرا وشاتيلا إلى العالم عام 1982.
 وقد كانت تلك المغامرة التي بدأت في منتصف القرن مع الجيل الأول من المستعربين  الذي يمثله إيزوتسو توشيهيكو ومائجيما شينجي إلى الجيل الثاني الذي يمثله إتاغاكي يوزو إلى الثالث الذي يمثله نبو أكي نوتوهارا، واليوم نخبة من الشباب الياباني المهتم بالدراسات العربية والإسلامية منها الشاب يوشياكي فوكودا، ومن مشاهير الاستعراب الياباني يوزو إيتاغاكي وسان إيكي ناكاؤوكا وتوسيو كورودا وأوئيو كازوماسا وأكهيرو تاكانو وماسارو فوريواتي، ولعل من أشهرهم في حقل الدراسات الإسلامية توشيهيكو إيزوتسوالذي له دراسات عن الوحي فضلا عن ترجمته للقرآن الكريم إلى اللغة اليابانية وإلى الجيل الثالث ينتمي المستعرب الياباني نوبوأكي نوتوهارا الذي رأى بكل أريحية وصدق أن يقدم حصيلة دراسته للثقافة العربية والحياة في العالم العربي مدنه وحواضره وأريافه وبواديه طيلة أربعين عاما في كتابه الصغير الجم الفائدة "العرب وجهة نظر يابانية".

إعجاب المؤلف بغسان كنفاني كونه كاتبا ممتازا فنيا وإنسانيا ورساليا فهو قطع الصلة بعائلته ذات التكوين الفرنكفوني وتعلم العربية ليقترب من روح الشعب

ولقد قرأته مرات ولكنني استمتعت أكثر وأنا أقرؤه مرة أخرى مطبوعا من دار الجمل في ألمانيا تلك الدار التي عودتنا على الجديد والجدي في الأدب والفكر والنقد.
يمكن القول إن هذا الكتاب هو أشبه باليوميات؛ يوميات ياباني في بلاد العرب ملاحظات وانطباعات عابرة ولمحات ذكية ولكنها ذات قيمة، فالرجل ليس سائحا بل هو مثقف وعالم بالعربية آدابها وثقافتها قرأ الأشعار العربية من الجاهلية حتى أمل دنقل، والنثر العربي من نثر قس بن ساعدة حتى غسان كنفاني ويوسف إدريس، إذا يكتسي كتابه أهمية بالغة فهي انطباعات عارف وخبير لا مجرد سائح وتكتسي أهمية كذلك لأنها رؤية الآخر غير العربي (الآسيوي) للداخل العربي وليس أفضل من الآخر ناقدا، خاصة إذا كان نقده بريئا موضوعيا ويخالطه الحب والاحترام معا وهذا هو شان المستعرب الياباني.
يشير المستعرب نوتوهارا موضوع مقالنا هذا إلى أن اللغة العربية والثقافة العربية بدأت تلقى تجاوبا واستعدادا طيبا في اليابان، فقسم اللغة العربية في جامعة طوكيو التحق به أكثر من مئة طالب، هذا في طوكيو وحدها. والواقع أن اليابانيين منذ أمد لم يعودوا يثقون في ما تنقله وسائل الإعلام الأميركية لهم عن الثقافة العربية والعالم العربي فهم يعرفون أو على الأقل قسم منهم أنها أراء عدوانية متعالية خاضعة لآراء مسبقة وأحكام جاهزة وأفضل مثال لذلك القضية الفلسطينية. وقد كان نوتوهارا من أشد المدافعين عن الحق الفلسطيني، ولم يجد أفضل من تقديم الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني إلى اليابانيين منقولا مباشرة من اللغة العربية التي يتقنها إلى اليابانية، وهكذا تهيأ لليابانيين أن يعرفوا شيئا مهما عن الآلام الفلسطينية وعن حقوق الشعب  المغصوبة من الإسرائيليين عبر الروايات التي نقلها عن غسان كنفاني مثل :"عائد إلى حيفا و"رجال في الشمس".
يمكن القول إن الاستعراب الياباني متميز تماما عن الاستعراب الأوروأميركي ففي الأول محاولة للفهم وطرح الأحكام المسبقة ومحاولة الاتسام بالموضوعية في حين أن الثاني أو قسما كبيرا منه خلو منها. من منا ينسى ما قاله إدوارد سعيد عن الاستشراق "إن المستشرقين كافة عنصريون، مسيحيون ومؤسساتيون" أو ما قاله عبدالله العروي في كتابه "الإيديولوجيات العربية المعاصرة": الاستشراق أنشأ موضوعه إنشاء وفقا لتصوراته المسبقة فشوه وعجز عن الفهم" أو ما قاله حسن حنفي: "الاستشراق مسيحي يهدف إلى القضاء على الإسلام" تلكم الأحكام المسبقة التي تبلورت لتغذية دوافع لاكتشاف الشرق منذ القرن الثامن عشر ناهيك عن صعود البورجوازية، ونمو الصناعة التي احتاجت إلى الموارد والأسواق وقد رأى الغرب العرب مجرد قطعان بشرية يستبد بها الطغاة من السياسيين من جهة والثقافة الإسلامية المؤولة سلبا من قبل الجماهير التي كرست مبدأ القدر والتواكل وليس في الإمكان أبدع مما كان، وبالتالي هي شعوب محكوم عليها بالتبعية لغيرها القوي الذي حق له أن ينهب ثرواتها ويساند طغاتها مادامت هذه الشعوب ميؤوسا من نهضتها ومن حريتها، لكن أولئك المستشرقين وعوا بعمق مقولة فوكو المتأخرة "المستبد الحقيقي هو الذي يقمع الناس بأفكارهم هم"، ومادامت الأفكار مترسبة في اللاوعي الجمعي عمرها قديم  فمن المستحيل تدميرها وبناء وعي جديد لصالح الإنسان والتقدم والحرية. 

ولاشك في هذا الفهم المخادع كثير من الظلم للعالم العربي والإسلامي وثقافته وليس في حقيقته سوى خضوع للذاتية ولأحكام الهوى الذي يبحث عن المصلحة وعن أشكال الاسترقاق في الإنسان وفي الأرض وفي المستقبل.
حاد الاستعراب الياباني الذي بدأ في الستينيات مع الحاجة إلى النفط ثم تعمق بعد أزمته في 1973 عن هذه الوجهة الأوروأميركية واختط لنفسه خطا جديا باحثا عن الحقيقة بنفسه بلا هوى ولا تعصب طارحا تلك الأحكام المسبقة التي اتسم بها الأوروبيون والأميركيون، وهو ما يجعل لكتاباتهم كثيرا من الموضوعية على الرغم من بعض الأخطاء التي يقعون فيها، وربما لهم بعض العذر في ذلك. أي نظام عربي اتخذ إدوارد سعيدا سفيرا للفكر وللحق العربي في ديار الغرب؟ وأي حاكم أنفق على كتبه فقربها من القراء العرب بدلا عن الكتب التي لا تجدي غير التي تؤخر ولا تقدم، وأي جامعة جعلت إدوارد سعيد مادة دراسية وهو نموذج لمثقف كبير جدا نافح عن القضايا العربية بفروسية وعلم وصدق معا؟ فكيف نلوم الآخر على أخطاء - بلا قصد - في فهمنا ونحن لم نفعل مع الآخر غير ما يسئ فهمه لنا؟
في الكتاب يعرض المؤلف قصة لقائه بالعربية وثقافتها في جامعة طوكيو في الستينيات ثم سفره إلى البلاد العربية باحثا ومكتشفا من مصر إلى اليمن إلى سوريا إلى المغرب زيارات ميدانية امتدت لأربعين عاما في مدنها وقراها وباديتها وصحرائها عكس بعض المستعربين من الغرب الذين لا يعرفون العالم العربي إلا على الورق، ويكشف عن حبه للعرب واحترامه لثقافتهم ودينهم دون أن يخفي عدم فهمه لتصرفات أو مواقف ونقده لكثير من الأفكار الدينية والمعيشية العربية ولكن بروح الناقد لا بروح الحاقد أو المتعالي ولقد أحب فن الرواية العربي وتخصص فيه ونقل إلى اللغة العربية كثيرا من الروايات العربية كبعض روايات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم  وصنع الله إبراهيم ويوسف إدريس وعبدالرحمن الشرقاوي، وروايات يحي حقي، ويحي الطاهر عبدالله وهاني الراهب وحيدر حيدر، ولا يخفي إعجابه الشديد برواية "الأرض" لعبدالرحمن الشرقاوي، وكيف عاش بنفسه في الريف المصري حتى يفهم أجواء الرواية كما لم يخف إعجابه بمحمد شكري وصداقته معه ومحمد برادة واحترامه البالغ ليوسف إدريس وترجمته لأعماله خاصة أن يوسف إدريس احتفظ بمسافة عن السلطة، وحاول أن يكون مستقلا واقترب من الفلاحين ورسم أجواء حياتهم وراهن على كونهم مستقبل مصر الحقيقي. ثم الشاعر الكبير عبداللطيف اللعبي الذي التقاه في باريس بعد خروجه من السجن في المغرب، واللعبي يتطابق في حياته كشاعر ومثقف ومناضل مع تصور الكاتب للمثقف. 
اللعبي الذي سجن أكثر من ثماني سنوات واكتشف حريته في السجن وتفاهة حياة الإقطاع والبرجوازية التي تسلم بتبعيتها لعالم الأشياء وعاش بالحب وللحب الإنساني منافحا عن حرية الإنسان وكرامته في ذات الوقت خير من يمثل صورة المثقف عند الكاتب ويبقى عمله الجليل هو تعريف الآخر المختلف الياباني بالقضية الفلسطينية.
إن الذي يعرفه اليابانيون عن فلسطين هو ما يقدمه الإعلام الأميركي أو الإسرائيلي أو الغربي لهم، وفيه تزييف وتضليل كبير كما يعترف هو لكن بترجمته لأعمال غسان كنفاني نقل بصدق تجربة المنفى والشتات والمخيمات إلى اليابانيين وأطلعهم على المعاناة ورمزية "المفتاح" عند ساكن المخيم والتي تعني التشبث بالعودة وهو يعتبر العالم مسؤولا عن جريمة فلسطين، ولو أنها مسؤولية غير مباشرة وبهذا الطرح يتخلص نوتو أهارا من الأحكام القبلية الجاهزة والأفكار المسبقة ويؤسس موقفا بناء على معاينة شخصية بالقراءة للإنتاج الفلسطيني والرحيل إلى العالم العربي وإلى الشرق الأوسط بؤرة الصراع وحلبته ولقد عدلت ترجماته كثيرا من الرؤى عند لفيف من المثقفين في اليابان.

الممنوع في اليابان كلمات تثير حساسية بعض الشرائح الاجتماعية ككلمة "أعمى" لأنها كانت سبة في القديم أو كلمة "أعرج" لأنها تعيير

وفي جانب النقد لمظاهر الثقافة العربية ينحى باللائمة على المثقف العربي وعلى الكتاب النجوم الذين يتكلمون كأنهم سلطة وعلى انتهازية بعضهم ولا يخفي عدم إعجابه بموقف حنا مينا في روايته "المرصد" التي كتبها لإرضاء النظام فنال منصبا في وزارة الثقافة، ومع إعجابه برواية "الشراع والعاصفة" رفض ترجمتها لأن موقف الكاتب في مغازلة النظام يتعارض مع وظيفة المثقف وهي النقد والرفض والاحتجاج على كل مظاهر النقص والظلم والتردي، فالمثقف موقف وليس مجرد ثقافة نظرية أو مهارة في الكتابة :"أنا أقدر الكتاب الذين لهم مواقف ثابتة ومبدئية ولهذا السبب اخترت من الأدب السوري المعاصر الكاتب هاني الراهب وقدرت كثيرا علي الجندي الذي يعاني، وحيدر حيدر، وبالمناسبة إنني معجب أيضا بعبدالرحمن منيف".
وهذا يذكر القارئ بموقف الكاتب الإسباني الكبير خوان غويتيسلو الذي رفض جائزة من حاكم عربي ومبلغها كان كبيرا والحجة في الرفض استبداد الحاكم، في حين كان في اللجنة المانحة روائي ليبي مرموق وناقد مصري كبير! 
والكتاب والمثقفون في اليابان عقولهم عاجزة عن الفهم كيف يمدح مثقف عربي حاكما فهذا غير موجود في اليابان كما يقول، ولاشك يتعجب الكاتب من المهرجانات الشعرية العربية ذات الطابع الصخبي والمأدبي والجوائز والتكريمات والأوسمة وهو ما يتعارض مع وظيفة الشعر ورسالته، فالشعر كما يفهم في اليابان مثلا يقرأ على انفراد للتأمل والسياحة الروحية والفكرية، في حين يقرأ على المنابر في العالم العربي لغرض الحماسة والتصفيق، وفي النهاية التكريم والإغداق من المال العام على حساب جوع الشعب وحالته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المزرية.
إن إعجاب المؤلف بغسان كنفاني كونه كاتبا ممتازا فنيا وإنسانيا ورساليا فهو قطع الصلة بعائلته ذات التكوين الفرنكفوني وتعلم العربية ليقترب من روح الشعب ولم يكن مجرد ملاحظ من فوق إن كثيرا من المثقفين العرب هم على شاكلة "يقولون مالا يفعلون" يتحدثون عن حقوق المرأة في حين تعيش نساؤهم في عالم الحريم، وعن الديمقراطية في حين يمدحون المستبد ويسعون لنيل أوسمته وجوائزه، يجد الكاتب عذرا ربما في الخوف، فالخوف هو قاسم مشترك بين الناس في العالم العربي فقيرهم وغنيهم مثقفهم وأميهم صغيرهم وكبيرهم. 
إن الخائف لا يفكر بصوت مسموع  ولا يمارس حياته بكل صراحة إنه يتقن "التقية " وقد لا حظ الغربيون قبل نوتوهارا أن الأخلاق في العالم العربي والإسلامي تنبني على أساس نفعي فالمسلم يفعل الخير أو الواجب ليجمع الحسنات، وليس لأن ذلك حسن من الناحية العقلية أو حسن في ذاته عكس المتصوفة الذين يرون هذا الرأي ولذا يعجب الغربيون عموما بأفكارهم وأشعارهم عن "الحب الإلهي" بدلا عن الخوف من العقاب فالإبداع بلا شك ابن الحرية والقمع عدو للإبداع ومن ثمة يلجأ المثقف إلى التقية أو تقنية القناع أو الرمز أو استلهام التراث أو السكوت واللامبالاة أو ركوب موجة المصالحة مع الساسة حفظا للبقاء أو دفاعا عن مصالح شخصية وعائلية، في حين كما يقارن الكاتب مع اليابان ليس هناك قمع في بلده. 
إن الممنوع في اليابان كلمات تثير حساسية بعض الشرائح الاجتماعية ككلمة "أعمى" لأنها كانت سبة في القديم أو كلمة "أعرج" لأنها تعيير، وما عدا فليقل المثقف ما بدا له مصون الكرامة محفوظ الحقوق، وقد أدى هذا إلى تكميم الأفواه ومنع المؤلفات وصار العالم العربي معروفا بالممنوعات الثلاث:" الله، الجنس، والسياسة" ولا أدل على ذلك من منع رواية "الخبز الحافي" لشكري و"الثالوث المحرم" لبو علي ياسين، وفي كل دولة عربية قائمة بالكتب الممنوعة وفي معارض الكتاب تمنع كتب معينة من العرض في هذه المعارض، شيء مخجل بقدر ما هو مأساوي.