العرب شعوب تائهة وممزقة

بقلم: علي آل غراش

هل مطلوب من العربي أن يعيش طوال حياته في سجن كبير يركض و يلهث.. يبحث عن لقمة الخبز اليابسة ليعيش خائفا ومرعوبا من جلادي حكومته، ومحروما من حقوقه، وان يعيش في نشوة الخداع بأنه شعب الله المختار صاحب الجوالات والانتصارات التاريخية، وأن يقنع نفسه بأنه ينعم في بحبوحة من الأمن والآمان والخير، وان يخرج في المظاهرات رافعا صورة راس النظام؟
الم يحن الوقت لتعبر الشعوب العربية عن حقيقة إرادتها ومطالبها وخلع لباس الوصايا مهما كان مصدرها، وان تنفتح بعضها على بعض؟
المسؤولية في تفشي ظاهرة الخوف من المطالبة بالحقوق تقع على الشعوب العربية الغائبة والمغيبة بإرادتها تارة أو العكس تارة أخرى، غير القادرة على تشخيص الواقع، وتحديد العلة، ومعرفة الدواء، وعدم القدرة على صناعة الدواء الناجع، والسعي للعلاج، وتحمل جميع الصعوبات الناتجة عنه التي تحتاج للتضحية والنشاط والنفس الطويل لتحقيق الهدف في ظل الاتفاق بين أبناء الأمة العربية.
والملاحظ أن هذه الحالة قديمة.. ناتجة ربما عن حجم الظلم والمأساة والجرح العميق الذي خلفته الحكومات التي مرت على الشعب العربي منذ بروز الحكم العربي.. وما تركته من تخلف علمي وتمزق ديني ونعرات قبلية، وصراع على الحكم، وتقسيم البلد إلى دويلات، وتخوين وتسقيط وفرض رموز وطقوس معينة، وإدخال الشعوب المسكينة المغلوب على أمرها في صرا عات دينية ومذهبية وخلافات فكرية وحروب دموية لا تعني شيئا للأغلبية وإنما هي هدف لمن يبحث عن كرسي الحكم، وتصفية حسابات، وللأسف أن هذه الشعوب صدقت تلك الأكاذيب وتلك الشعارات وأصبحت مع الأيام جزء من الهوية الثقافية والدينية وارث ثقيل مليء بالجيد والرديء، ولم يسلم التاريخ والتراث الموجود بيننا من التزييف، والترميز غير الحقيقي، وإبراز لأسماء معينة وتغييب أخرى، وزرع حالة من الإيمان المطلق في نفسية العربي بعدم التدخل في الشأن السياسي وان ما لقيصر لقيصر وان للجدران آذان.
وسادت تلك الظاهرة لوجود أرضية لدى الشعب العربي متوارثة وهي التفنن في ممارسة أسلوب المجاملة والتصفيق للحكومات ومدحها بأعذب الكلمات والأشعار ورفع صورها بكرم عربي حاتمي يعبر عن السذاجة والخوف لدى هذا الشعب، الذي يتعامل بالحس العاطفي والديني من غير تعقل...لغياب الوعي والنضج الفكري والسياسي، ونتيجة ضعف الحس الحركي، وفقدان قيمة الحرية والمصلحة الوطنية العامة، وعدم الاستفادة من التجارب السابقة للشعوب الحية إلي نالت حريتها وحقوقها، وعدم استعداد العربي للتضحية من اجل بناء مستقبل أفضل، في ظل النظرة الضيقة وغياب الاستراتيجية الكبرى، و تقديم المصلحة الذاتية على المصالح العامة.
الشعوب العربية مطالبة حاليا بالمبادرة الذاتية لفتح قنوات للحوار والتعبير، والنقاش الجاد والتواصل فيما بينها، والتعرف عن قرب على فكر ورأي الطرف الآخر في ظل الاحترام المتبادل مهما كان الرأي والفكر والدين والمذهب، في جو يملأه المحبة والأخوة الوطنية والقومية والدينية والإنسانية، والاتفاق والتعاون على خطة عمل واحدة بغطاء وطني لإجبار الأنظمة المتسلطة باحترام آراء شعوبها.
إن ما تعيشه الأمة العربية من وضع مأسوي ما هو إلا دليل على غياب الوعي والتعقل وسيطرة العاطفة والسذاجة على تصرفات شعوبها وعلى عنجهية وطغيان حكامها. فمن المؤلم أن نرى أن أغلبية الشعوب العربية تقف في صف المعارض الخجول للنظام في داخلها ولا تبوح به خوفا من سطوته وظلمه، وإنما تتضرع لخالقها وتتمنى دخول قوة تزيله عن صدرها، ولكن إذا تعرض كرسي هذا النظام للاهتزاز...، وكادت نهايته تقترب اضطر لتغيير أسلوبه وجلده، ورفع شعارات الوطنية ونادى باللحمة الوطنية، واستشهد بتاريخ العرب وبطولاته، وبالشهامة والكرامة والشرف... ، وذكر شعبه بالآيات المقدسة التي تؤكد على الوقوف صفا واحدا أمام أعداء الأمة و الدين.. الذين يريدون السيطرة على البلاد والعباد وسرقة الخيرات وتشويه صورة العرب والدين... ، وفي لحظة اندفاع يدل على وجود ازمة نفسية وعقلية ترى الشعوب تخرج عن بكرة أبيها منادية لبيك يا يا يا.. متناسية تاريخ النظام الفاسد والهدف. علي آل غراش - السعودية