العرب بين بوش وكيري

بقلم: هشام القروي

1
لعل بعض الناس يتساءلون في بداية هذه الحملة الانتخابية الامريكية، ما هو الفرق بين الرئيس بوش والمرشح الديمقراطي جون كيري، فيما يتعلق خاصة بقضايا العرب. نعلم جميعا أنه تكاد لا تخلو حملة انتخابية أمريكية في السنوات الماضية من تركيز على مشاكل العرب، وهناك على الاقل ثلاثة أسباب ظاهرة لهذا الاهتمام :
أولها، أن اليهود يمولون الحزبين المتنافسين وأنهم بصفة عامة ينتظرون "الاعتراف بالجميل" في ما يخص العلاقات مع اسرائيل، التي لا تزال تحظى بأضخم مساعدة مالية أمريكية سنوية منظمة لدولة أجنبية. ومن ثم، فما يدفعه اليهود من جيبهم الأيمن ما يلبث أن يعود الى جيبهم الأيسر.
مقابل ذلك - وهذا هو السبب الثاني - نجد الممولين العرب الذين دخلوا أيضا في السنوات الأخيرة على الخط فيما يتعلق بتمويل المرشحين للرئاسة في الولايات المتحدة. ولئن لم تكن المبالغ التي يساهمون بها ترقى الى مستوى المساهمات اليهودية، فإنها مع ذلك ليست بسيطة. والفرق هنا بين الطرفين أن اليهود يتبنون استراتيجية ذكية بحيث يستعيدون كما قلنا استثماراتهم، مع المرابح. أما العرب، فللأسف، لا يبدو أن لديهم استراتيجية، وإن وجدت فهي من أغبى ما يكون، إذ أنها تساهم فقط في جعل الولايات المتحدة تتكرم على اسرائيل بمزيد من العطايا والهدايا.
أيا كان الأمر، فالملاحظ الخارجي بوسعه أن يرى نتائج ايجابية للتمويل اليهودي للانتخابات الامريكية من خلال نوعية العلاقات مع اسرائيل، وليس بوسع المرء أن يستنتج نفس الشيء فيما يتعلق بالتمويل العربي.
وأما السبب الثالث، الذي نجده وراء التركيز على بعض القضايا العربية، فيتمثل في وجود جالية عربية بدأنا نسمع عنها أكثر فأكثر في هذه السنوات الاخيرة، خاصة بعد أن أصبح بالامكان التواصل بين عرب الولايات المتحدة وعرب بقية العالم من خلال الانترنت الذي فتح آفاقا هامة للاعلام العربي المهاجر، وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة. وهذه الاتصالات السريعة والفعالة لم تقرب بين العرب المهاجرين وحسب وانما قربت أيضا بينهم وبين العالم العربي، وهو ما لم يكن متوفرا في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين مثلا.
ثمة أسباب أخرى جديدة انضافت الى هذا الاهتمام الامريكي بالعرب، وهي من النوع السلبي: كالارهاب مثلا، والديكتاتورية.
فالحرب على الارهاب، ومصدره العالم العربي و/أو الاسلامي، جعلت الولايات المتحدة تعبئ طاقاتها من أجل رد الخطر عن أراضيها ومصالحها، وذهبت الى حد الغزو والاطاحة بالانظمة، كما في أفغانستان والعراق. وقد يقول قائل: ان أفغانستان ليست بلدا عربيا. وهذا صحيح، الا أنها بلد اسلامي، يدخل في اطار ما يسميه بريجنسكي "قوس الازمة" الذي يمتد ليشمل الشرق الاوسط بأسره. ولعلمكم، فعبارة "الشرق الاوسط" تشمل في مفهوم بعض الكتاب الاستراتيجيين مايسمى بشمال افريقيا عند الفرنسيين، وتصل الى أفغانستان. ثم ان قاعدة "القاعدة" عربية، كما نعلم جميعا.
والديكتاتورية- وهي ترتبط أيضا بقضايا الارهاب - جعلت الولايات المتحدة تتدخل في شؤون الحكام العرب بطريقة غير مسبوقة، من خلال الضغط والحرب والبرامج السياسية والاقتصادية
(الاصلاحية!) والعلاقات مع المعارضة وغير ذلك. ففي الماضي، قلما كان الامريكيون يعلنون عن صلاتهم بحركات المعارضة العربية، لا سيما عندما يكون البلد المعني "حليفا" أو "صديقا" أو "محميا" أو غير ذلك من التسميات. ولكن العالم تغير يوم 11 سبتمبر، عندما سقط برجا المركز التجاري العالمي في نيويورك بفعل فاعل. ولم تعد واشنطن تستحي من أن تقول "طز" حتى "لأصدقائها"... وهم ليسوا بالضرورة عربا فقط. فانظروا ما وقع مع فرنسا مثلا!
ولكن ما الذي ينبغي أن ينتظره العرب من تحقق أحد الخيارين الامريكيين : بقاء بوش في السلطة أو وصول كيري اليها؟
2 يمكن أن ندرك ماهي نوعية الفروق التي تميز بين المرشح كيري والرئيس بوش فيما يتعلق بالشؤون العربية من خلال ملخص مركز لأفكارهما في هذا المجال.
1 – الرئيس بوش: قال ان الجهود الامريكية لاعادة تعمير العراق والحضور العسكري سيستمران الى ما بعد 30 يونيو/حزيران، تاريخ تسليم السلطة المدنية للعراقيين. قال أيضا إنه ينوي الاحتفاظ بحوالي 138 ألف من القوات الامريكية في العراق حتى منتصف 2005، أي بزيادة تقدر بـ 15 ألف عسكري. وقال إن الادارة كانت محقة في محاربة العراق لأنه كان بإمكان صدام حسين وفي نيته إنتاج أسلحة الدمار الشامل. وقد شكل في شهر شباط/فبراير الماضي لجنة ثنائية – أي بمشاركة اعضاء في الحزب الديمقراطي – للتحقيق في المعلومات التي توفرت للبيت الابيض قبيل الغزو، لتحديد مدى مسؤولية المخابرات في الفشل في العثور على أسلحة الدمار الشامل. ويساند الرئيس بوش أجندة تبرمج تنظيم انتخابات تشريعية في العراق في يناير/كانون الثاني 2005 من أجل انتخاب حكومة وطنية في 15 ديسمبر/كانون الاول 2005. وتبحث ادارة بوش عن اشراك منظمة الحلف الاطلسي بطريقة أكثر فعالية في العراق. وفيما يخص النزاع الفلسطيني- الاسرائيلي، أعلنت ادارة بوش دعمها لانشاء دولة فلسطينية وخريطة الطريق الى السلام في الشرق الاوسط التي يمكن أن تقود الى مفاوضات حول الاراضي وتوقيع اتفاق نهائي في 2005. وتقول ادارة بوش أيضا انه سيكون بوسع اسرائيل الاحتفاظ بأجزاء من الضفة الغربية وقع احتلالها في حرب 1967، وأنه لا ينبغي على اللاجئين الفلسطينيين أن يتوقعوا عودتهم الى أراضيهم داخل اسرائيل. وتعتبر ادارة بوش نفسها ملتزمة تماما بأمن اسرائيل كدولة يهودية وسلامة شعبها.
2 – المرشح كيري: ساند تماما القانون الذي منح الرئيس بوش سلطة غزو العراق، إلا أنه عارض طلب بوش في 2003 مبلغا اضافيا مقداره 87 مليار دولار كمصاريف للتواجد العسكري واعادة التعمير في العراق وأفغانستان. وقد أعلن السناتور كيري أنه كان سيقترع من أجل محاربة العراق حتى مع علمه أن الولايات المتحدة وحلفائها لن يجدوا هناك أسلحة دمار شامل، ولكنه أضاف قائلا إن بوش وفريقه أساءا إدارة الحرب. وقال السيناتور أيضا إنه سيقلص عدد القوات الامريكية في العراق في الاشهر الستة الاولى من ولايته. والملاحظ أنه كان سبق وصرح أنه سيدعم طلب العسكريين ارسال المزيد من القوات الى العراق. ويقول كيري إنه يريد اصلاح العلاقات التي ساءت مع بعض الدول بسبب الحرب في العراق، وأنه سيستعمل الدبلوماسية لجلب الحلفاء واشراكهم أكثر في الحفاظ على الامن في العراق، بما في ذلك اشراك قوات من "الناتو". وقد صرح أيضا أن الامم المتحدة ينبغي أن تكون الشريك المدني الاول للحكومة العراقية الجديدة في اعادة التعمير. وأما فيما يخص الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، فهو يوافق بوش تماما على رأيه الذي يقول بامكان اسرائيل الاحتفاظ بأجزاء من الضفة الغربية ومن الافضل ألا يتوقع اللاجئون الفلسطينيون العودة الى ديارهم داخل اسرائيل، ويعتقد أن هذا ما يشكل خطوة ايجابية في الاتجاه الصحيح. ويقول انه سيعين سفيرا خاصا بعملية السلام، سيكون مسؤولا أمام الرئيس ووزير الخارجية مباشرة، وسيعمل يوميا في مجال اعادة قطار السلام الى السكة.
هذه هي الخطوط العامة لبرنامج المتنافسين، وهي رسمية تماما ويمكن الاطلاع عليها في "واشنطن بوست " الى جانب سمات وفروقات أخرى. وقد نعود في فرصة أخرى للمتابعة والتحليل. بقلم: هشام القروي