العرب... بين السِّياسة والدين

التحدث باسم الإسلام يقوم على الحركة والتغيّر والتأويل لا يكون ثابتاً

تتسع دائرة الحديث، في المرحلة الراهنة المعيشة، عن الإسلام، وذلك في سياق الصراع المحتدم القائم في العالم العربي، خصوصاً منه في بلدان الربيع العربي؛ هذا دون بقاء بقية بلدان ذلك العالم العربي منعزلة عنه أو بعيدة. هذا الصراع يجد أحد مصادره في التاريخ الإسلامي العربي، خصوصاً ما ظهر منه في العصر الحديث بمصر تحديداً. وعلينا الآن أن نحدد الدلالة الأولية، التي يُراد لها أن تكون الضابط الأوّلي بينهما. فالأول منهما هو ذلك البناء الإسلامي التأسيسي الأوّلي ببنيته ومبادئه الأولى.

وهذا لا يتغير، فهو ثابت. أما الثاني منهما (أي الإسلام السياسي) فهو قراءة للإسلام في ضوء السياسة المتغيرة والقائمة على "تدبير شؤون البشر"، في الأصقاع والبلدان المتعددة. وهذا يتغير، بل هو قائم على التغير المطّرد؛ فهو متحرك ومتحول. وإذا كان الإسلام الثابت - المطلق قد أتى من مصدر مطلق هو الذات الإلهية، وكان مجيئه معروفاً للقاصي والداني، فهو إذن قد أتى مرة واحدة على يد آخر الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الإسلام السياسي (أي المتغير) قد أسسه في العالم العربي حسن البنّا قبل عدة عقود.

ويبقى أن نشير إلى نقطة أخيرة هي أن البشر إذ يتناولون النصوص الدينية، فإنهم ينطلقون، بالضرورة الإنسانية المجتمعية من مرجعيتين اثنتين، واحدة معرفية، وأخرى مجتمعية مصالحية، أي من الناس بوصفهم بشراً ذوي بنى معرفية معنية وذوي مصالح اقتصادية وعائلية إلخ.

التحدث باسم الإسلام يقوم على الحركة والتغيّر والتأويل، وبأنه لا يمكن أن يكون ثابتاً ومطلقاً وبالتالي ملزماً. وثمة ملاحظة على هامش ما وصلنا إليه، وهي إن قارئ النص الإسلامي المقدس، حتى هنا وبحسب التكوين البشري الذاتي، تظل قراءته - في بنيته الخفية - خاضعة لدرجة من الفهم المؤوّل.

ذلك كله يضع المسلمين وقراء النص القرآني أمام ضرورة النظر إلى قراءتهم بوصفها حالة نسبية ومتحركة وفق تعدد القراءات؛ مع الحفاظ على المعاني القرآنية الكبرى اعتقاداً وتربية. أما من يعتقد أنه قادر على إلزام الناس بقراءة واحدة يأخذ بها هو، فهو يظهر مخالفاً للنص المقدس. وهذا ذاته يعني ما أتى في القرآن الكريم من القول الحكيم: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ".

فهو لم يشأ، فظل الأمر مفتوحاً. والنتيجة الأكثر حسماً ها هنا تتمثل في أن من يخلط بين المقدس والعادي، يرتكب خطأ بالغ الدلالة. فالسياسيون في مصر وسوريا وبلدان أخرى حين يطابقون بين ممارساتهم السياسية وبين والمقدس الديني، فهم يطمحون إلى القول بأن "سياستهم الدينية" هي مطابقة لذلك المقدس. ومن ثم، من يستنبط سياسته تلك من المقدس ويماهي بينهما، فإنه يمنح سياسته طابع القداسة، بحيث يظهر من يرفض هذه السياسة، فكأنما هو يرفض المقدس ذاته تماماً؛ وهذا خطل فاضح.

ننتهي من ذلك كله إلى أن الحامل الاجتماعي والسياسي والثقافي لرجال ونساء الثورة السورية، وإن كان قسم كبير منهم ينتمي إلى الإسلام، فإنهم في ذلك يعلمون أنهم ينتمون لدين قائم على تلك المبادئ والملخصة بأنه دين وسطي يلح على التعددية واحترام الآخر. أما ما يبرز الآن من خطاب ديني شمولي وتكفيري تمثله فئة دينية متشددة هي فئة "النصرة"، فمعظمه، أولاً، لا ينتمي إلى مقاتلين سوريين، وبعضه يعبر عن حالات صنعها الغرب والداخل العربي نفسه ثانياً. وإذا كان ذلك ما يتصل بسورية.

فإن الذي يعلنه النظام المصري جهاراً و خفية من أنه يسعى إلى بناء "دولة خلافة إسلامية"، إنما هو أمر يخرج عن النسق الإسلامي الحاسم والقائم على التعددية أولاً، ويعيش في غربة قاتلة مع روح الحداثة والعقلانية والديموقراطية والتنوير، التي تحتاجه مصر وسوريا والعالم العربي كله ثانياً. ويبقى الأمر بحاجة إلى مزيد من البحث العلمي في مرحلة عربية لعلها الأكثر خطورة وإشكالية.

د. طيب تزيني