العراق... ولاية ثالثة وثقافة 'ما ننطيها'

بعد ثمان سنوات

يتصاعد الجدل حالياً ويحتدم بشأن أحقية رئيس الوزراء نوري المالكي بالترشيح لهذا المنصب لمرة ثالثة، غير أنه وفي كل الأحوال وليد اليوم فقد كان مثار قلق جميع التيارات السياسية، وكثرت المناقشات واحتدم الجدال طويلاً حوله منذ شهور من بعد تولي المالكي رئاسة الوزراء لدورة ثانية بمناورة معروفة؛ وعقب محادثات لم تكن سهلة بين أطراف العملية السياسية كان من نتيجتها اتفاقية أربيل المعروفة، حيث كان يعمد البعض من شخصيات "دولة القانون" المعروفين بولائهم المطلق لأنانيتهم في حصد المنافع إلى تسريب أخبار من هنا وهناك عن الأحقية بالترشح لولاية ثالثة.

لأنها منسجمة بحسب رأيهم مع الدستور الذي لم ينص صراحة في مواده على عدم تقييد ولاية رئيس مجلس الوزراء ليس لمرة ثالثة بل رابعة وخامسة كما نص على ذلك في موضوع الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية برغم أن موقع رئاسة الوزراء أهم وأخطر كونه يمسك بيده مقاليد السلطة التنفيذية والقائد العام للقوات المسلحة؛ كما أشار إلى ذلك القاضي رحيم العكيلي في إحدى مقالاته التي ناقش فيها هذا الموضوع قانونياً وفند حجج المدافعين عن الولاية الثالثة وخلص وقتها إلى نتيجة عدم جواز المطالبة بها استناداً إلى ما جاء في الدستور في البند أولاً من المادة (77) التي نصت "يشترط في رئيس مجلس الوزراء ما يشترط في رئيس الجمهورية".

صراحة، هنالك توجه كان واضحاً ونية مبيتة للانقلاب على مفهوم التداول السلمي للسلطة ترجمها رئيس الوزراء بكلمة قالها علناً (ما ننطيها). وهي ثقافة وعقلية خطرة على مستقبل العملية السياسية لأنها تؤسس لمشروع تسويغ حكم الفرد مدى الحياة ولكنه بصيغة طائفية واضحة المعالم نبهت على مخاطره غالبية القوى والشخصيات السياسية ومن مختلف الاتجاهات بما فيها من التحالف الوطني .. اليوم يسعى البعض من المدافعين عن الولاية الثالثة لاختزال كل الموضوع بشخص رجل واحد محاولين تصوير الأمر وكأنه شخصي بحت متجاهلين حقيقة أساسية بأن الشعوب ومصيرها اكبر من كل زعيم وقائد مهما كانت مواصفاته ونجاحه في القيادة وهو ما لم تثبت السنوات الثماني من حكم المالكي امتلاكه إياها .

لا نريد ان نعيد مرة أخرى ما كتب ونشر وينشر يومياً عن كل الإخفاقات التي عشنا فصولها خلال ما مر من تولي المالكي لرئاسة الوزراء والمرتبطة بشكل مباشر وغير مباشر بملف الفساد السياسي والمالي والإداري وكلها حلقات مرتبطة ببعضها ، كما نعترف بان ما حصل من فشل لا يتحمل رئيس مجلس الوزراء مسؤوليته وحده لكنه يتحمل الوزر الأكبر منه لموقعه الأول ولن نعيد إلى الأذهان كل الأزمات التي بدأت منذ الأيام الأولى لتسلم المالكي الولاية الثانية وانقلابه على شركائه وحلفائه .. لا نريد كل ذلك ونتجاوز كل مسلسل الإخفاقات ونحتكم إلى ما يسوقه المنطق والعقل ونسأل كمواطنين رئيس مجلس الوزراء وبطانته عن سبب كل هذا الإصرار على التمسك بالولاية الثالثة والوقوف ضد كل المعترضين عليها وهم غالبية مطلقة من مختلف المكونات والاتجاهات؟ واية حكمة في كل هذا التمسك بشخصية بعينها وكأن العراق من دونها سيضيع؟ ولصالح من تتم مخالفة ومعاندة كل هذا التيار المعارض لمبدأ الولاية الثالثة؟

أسئلة كثيرة مثل هذه وغيرها تدور على ألسنة الملايين من العراقيين تحتاج إلى إجابات تتجاوز تلك النغمة النشاز بحصول " دولة القانون " على أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات أو ان رئيس مجلس الوزراء حصد ما يتجاوز الـ(700) ألف صوت لأن الجميع يعرف ماذا يمكن ان تفعل السلطة وما يمكن ان يصنعه المال ، كما ان هذا وحده لا يبررالتجاوز على الغالبية من القوى السياسية التي أعلنت موقفها الرافض للولاية الثالثة.

المرحلة خطرة والعراق ما بعد 2003 تراجع خطوات كبيرة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ،والإرهاب ما زال يحصد أرواح الأبرياء بالمفخخات والكواتم ومشكلات العاطلين والشباب والأرامل ومستوى المعيشة للفرد وفقدان الخدمات كبيرة ، لذا نحتاج إلى شخصية يتفق عليها الجميع تكون قادرة على لملمة التشظي الكبير في بنية المجتمع وإعادة الثقة بين الشركاء والحلفاء.

لا نظن ان عملية تشكيل الحكومة ستكون سهلة في كل الأحوال ولا ندري مستوى تمسك الكتل السياسية بمواقفها الرافضة للولاية الثالثة ومستوى وحجم المناورات والتنازلات وطبيعة التحالفات المستقبلية، لكننا مقتنعون بأننا بأمس الحاجة إلى ترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة والى شجاعة تتجاوز عقدة كرسي الحكم التي ابتلي بها حكامنا فضاعوا وضيعوا الأوطان، ونتمنى ان يدرك المالكي قبل فوات الأوان أن رفض الولاية الثالثة هو بداية شروع لطريق جديد قد يعيد لأحلامنا أو بعضها في الديمقراطية وجهها الجميل الذي شوهته المحاصصات والصراعات السياسية، الرفض أكبر من شخص أو كتلة، إنه عنوان وطن جديد تسوده العدالة والمساواة. فهل يعيد رئيس مجلس الوزراء النظر ويتخلى عن هذا الإصرار على الولاية الثالثة بمحظ إرادته؟ هذا ما نتمناه من اجل العراق ومستقبل شعبه. وهذا ما رجوناه منذ عام 2011 في عمود "كردستانيات" تحت عنوان "نتمنى ألا يفعلها".

طارق الجبوري

كاتب عراقي