العراق وسوريا... الإسلاميون قبل عشر سنوات

حصل التقارب العراقي السوري، عقب زيارة السادات (قتل 1981) إلى تل أبيب (19-21 نوفمبر 1977)، وقُبيل مؤتمر القمة العربية المنعقد ببغداد (2 نوفمبر 1978)، وجرت الاستعدادات لإقامة الوحدة بين البلدين، وتم توقيع الاتفاق القومي المشترك (26 أكتوبر 1978) بينهما، بعد فشل الوحدة الثلاثية الأولى (17 أبريل 1963). لكن بعد أشهر أعلنت بغداد مؤامرة كانت دمشق ضالعةً فيها، وأُعدم مَن أُعدم حينها بحمام دم مشهور. لسنا بصدد تكذيب أو تصديق هذه المؤامرة، إنما علينا بتداعياتها في المعارضة العراقية الإسلامية.

أُعلن العداء عبر حرب الإعلام وتبادل التخريب بين دمشق وبغداد، بعد نجاح الثورة الإيرانية بشهور؛ وليس لنا التكهن في ما سيحصل، في ما إذا تحقق الميثاق بين البلدين بوجود رايات الثورة الإسلامية على الحدود الشرقية العراقية؟ كيف ستكون العلاقة بين الاتحاد السوري العراقي وإيران الإسلامية؟ مع علمنا أن العراق بوجود الرئيس أحمد حسن البكر (ت 1982) قدم التَّهاني بنجاح الثَّورة الإيرانية، ولولا أن السلطة آلت إلى صدام حسين (أعدم 2006) وتفرد بها وما ارتكبه من مغامرات، لربما سارت الأمور مساراً آخرَ.

أسفر العداء العراقي السوري عن تقارب متين بين دمشق وطهران، ولما اندلعت حرب الخليج الأولى (1980-1988) كانت دمشق مهيأة للعب دور في إسناد إيران، وأخذت تأوي المعارضة الإسلامية العراقية منذ مطلع الثمانينيات. صحيح أنها فتحت الباب للمعارضة كافة، لكن السطوة بدمشق كانت للإسلاميين، في ظل عداوة بغداد وصحبة طهران.

كان تدريب أعضاء «حزب الدعوة الإسلامية» يتم في سرايا الدفاع السورية بدمشق، وهي سيئة السمعة لدى السوريين كمؤسسة قمعية، تشبه ميليشيا «الحرس القومي» عام 1963. لقد حصل ذلك نتيجة للفراق السوري العراقي وإلغاء مشروع الوحدة (1978) من جهة، ومن جهة أخرى التقارب الإيراني السوري الذي بدأ مع القيادة السورية حال نشوب الحرب العراقية الإيرانية. نقرأ هذا في رسالة جابر الجابري إلى رئيس الوزراء نوري المالكي، بعد عزله من وكيل وزارة الثقافة، يذكِّره فيها بجهاده القديم في الحزب، قال: «المجاهد الذي حمل السلاح منذ الدورة العسكرية الأولى، التي أقامها حزب الدعوة في جبال الزبداني، على يد ضباط سرايا الدفاع السورية عام 1980» (مؤرخة في 17 يونيو 2012).

ليس «حزب الدعوة» وحده من تدرب مقاتلوه بدمشق، إنما تدرب مقاتلو «حركة المجاهدين الإسلاميين في العراق»، وكان قد شكّلها عبدالعزيز الحكيم (ت 2009) بالشام. وحسب أحد المنتمين لذلك التنظيم فإنه تألف من اللاجئين العراقيين بسوريا، وكانوا يتدربون على السلاح والتفجيرات بالمعسكرات السورية بدمشق، ويقوم على تدريبهم ضباط سوريون، هذا ما أفادني به أحد المتدربين هناك.

كان أولئك المتدربون ما أن ينهوا تدريبهم حتى يلتحقوا بالمعسكرات التي أُعدّت على الأراضي الإيرانية؛ ومنها معسكر «حزب الدعوة» (قوات الإمام الشهيد الصدر)، والتي تأسست بالأهواز في إيران. ثم انتهى أمر معسكر الصدر «في حفل أقيم خلال الأيام الأخيرة، التي سبقت تسليم المعسكر عن استعداد منتسبيه للانخراط في صفوف الحرس الثوري (الإيراني)، وقوات المجلس الأعلى» (المؤمن، سنوات الجمر).

اتسع وجود الإسلاميين العراقيين بدمشق، وعلى وجه الخصوص بحي الست زينب، حيث ضريح زينب بنت علي (ت 62 هـ) القديم هناك، وللمفارقة يُذكر أن زينب، المعروفة في كتب التاريخ بالكبرى، تزوجت ابن عمها عبدالله بن جعفر (ت 80 هـ)، وولدت بنتاً تزوجها، في ما بعد، الحجاج بن يوسف الثَّقفي (ت 95 هـ)، ولا يُعلم عن مكان مدفنها الحقيقي، فلها عدة أضرحة منها الذي بالقاهرة (الزَّركلي، الأعلام). ومن المفارقة أيضاً، التي يصعب احتمالها في ظل الأجواء المتلبدة بالتعصب، أن لجعفر هذا ولداً بُشر بولادته وهو في مجلس معاوية بن أبي سفيان (ت 60 هـ) فسمّاه معاوية، هذا ما ورد في التواريخ وأبرزها «مروج الذهب».

أخذت تُشيد أضرحة جديدة بدمشق، ففي عام 1986 كنا نرى ضريحاً يصعد بناؤه لرقيّة بنت الحسين، وقوافل الزائرين الإيرانيين تتوافد على ذلك الحي، وبعد فتح الحدود (2000) بين العراق وسوريا أخذ العراقيون يقصدونها وحداناً وزرافات.

وفي الثمانينيات والتسعينيات كانت تلك الأجواء مناسبة للعمل الإسلامي، فانتشرت الحسينيات ومواكب العزاء، وانتقال الكوادر الإسلامية من وإلى بيروت يتم عبر الخط العسكري، والمجال واسع لإصدار الكتب والصحف وإطلاق الإذاعات أيضاً. وبالمقابل كان النظام العراقي يرد على هذا الاحتضان باحتضان الحركة الإسلامية المعادية للنظام السوري، مثل «الإخوان المسلمين»، لكن الميزان كان مختلاً بين كثرة العراقيين وقلة السوريين، مع إعلام عراقي وتأليف كتب بأسماء مستعارة ضد العلويين.

كانت القاعات بحي الست زينب ملأى بشعارات الثورة الإيرانية، منها: «اللهم احفظ لنا الخميني حتى خروج المهدي»، هذا ما كان يرفعه اللبنانيون أتباع «حزب الله»، واختلاط الإسلام السياسي على أساس ولاية الفقيه تعدى حدود الأوطان آنذاك. وإذا حاول عراقي من خارج الإسلاميين أن يمس الثورة الإيرانية فمصيره الاعتقال. أذكر أننا وصلنا دمشق هروباً من الحرب التي نشبت بعدن (13 يناير 1986)، وقد وزع أحد أعضاء الحزب الشيوعي العِراقي بياناً ضد التقدم الإيراني في الأراضي العراقية، فألقي القبض عليه، بعد أن كاد الإسلاميون يفتكون به.

اُتخذت دمشق دار قرار لا انتظار، وعلى وجه الخصوص بعد اليأس من إسقاط النظام العراقي، لكن بعد عودة العلاقة بين دمشق وبغداد، عقب وفاة حافظ الأسد (2000) أخذ الإسلاميون يقصدون بلدان اللجوء الأوروبية بكثرة، وتوّج ذلك بزيارة وزير الدفاع الأسبق علي حسن المجيد (أعدم 2010) لتكريم صاحبة المطعم التي طردت السفير الأميركي من مطعمها تضامناً قُبيل غزو العراق. شاهدنا تلك المسرحية عبر الفضائية العراقية السابقة. فأخذ وجود المعارضة ككل بالانحسار من دمشق، فالسلطات تتحكم بالمعارضات حسب سياساتها.

تلك نتف من ماضي العلاقة بين الإسلاميين العراقيين ودمشق، حيث الانتظار الطويل، والأمل كان يتصاعد مع كل صاروخ إيراني باتجاه الأراضي العراقية. ومع ذلك لم يستطع ذلك الوجود الكثيف والمسلح عمل شيء، ولم يعد نفسه للحظة العودة، بطبيعة الحال كانت دمشق تأوي بقية المعارضة العراقية غير الإسلامية، على مختلف مشاربها، لكن المقال يخص الحركة الإسلامية.