العراق وجيرانه... نزاعات الماء!

بقلم: رشيد الخيّون

للرَّحالة المغربي ابن بطوطة (ت 779 هـ) وصف بليغ للأماكن الغزيرة الماء، قال: "سئمت أرضُها كثرة الماء، حتى اشتاقت إلى الظَّماء" (الرِّحلة). ومِن مشاهدة أجد العبارة تعني كل قرية مِن قرى العراق، في ماضيه البعيد والقريب، مساحات شاسعة منه كانت تشتاق إلى الظَّمأ، وهو في لغة أهله "الصَّيهود"، والفيضان "الخنياب". فبعد انسحاب الأخير توهمك الأرض أنها باشتياق للبذور، بعد أن غسلت ملوحتها، واكتنزت ما يرويها.

إن الحديث عن ماء العراق ذو شجون، ومن حقٍ يجري عن ارتباط الشَّخصية العِراقية، مِن الأُصلاء والنَّازلين، بطباعه، فتشعر لديهم شيء مِن البطر، لم يألفه أهل البوادي، قيل سببه وصول الماء إلى أبواب المنازل حاملاً معه أسباب الحياة من صيد ورواء وسهولة انتقال. وما بين الصيهود والخنياب تضطرب المشاعر، فأكثر الشُّعراء في وصف الموسمين، وهما يتداولان على دجلة والفرات، ونكتفي بما قال الجواهري (ت 1997)، وهو يصف حالتي الفرات: "بينا هو البحرُ لا تسطاع غضبته.. إذا استشاط فلا يبقى ولا يذرُ.. إذا به واهنُ المجرى يُعارضه.. عودٌ، ويمنعه عن سيره حجرُ" (سوسة، فيضانات بغداد).

كذلك أضفى المسعودي (ت 346 هـ) صفات الماء على العِراقيين، وإن كان هذا لا يُعجب مَن لا يرى للعراق مناسباً سوى الحجَّاج (ت 95 هـ) حاكماً، وهي مقالة تخرج مِن لئام النُّفوس، وللأسف نقرأ ذلك الثَّلب في صحف همها استحضار الضغائن. قال المسعودي في العراقيين، وبعبارته نحتمي مِن وهن الحاضر، وتلبد المستقبل: "... اعتدلوا في الجبلة، كذلك لطفوا في الفطنة، والتمسك بمحاسن الأمور، وكيف لا يكونون كذلك وهم أرباب الوافدين، وأصحاب الرافدين مِن دجلة والفرات" (التَّنبيه والإشراف). لسنا بكائين على الأطلال، فأبو نواس (ت 198 هـ) مِن هذا الصَّقع، وهو أول الخارجين على ذلك النَّمط في الشِّعر.

لكننا نؤكد على أن وجود العراق مربوط بمائه، فتعاقب الحضارات على أرضه كان بسبب الماء، بما فيه منفذه إلى البحر في أقصى جنوبه ونهايات البحار، الذي يغذيه وليد دجلة والفرات، شط العرب، لآلاف السنين، ولبصير البصرة بشار بن برد (قُتل 168 هـ): "الرَّافدان توافى ماء بحرهما.. إلى الأبلة شرباً غير محضور" (التَّنبيه والإشراف). والأبلة مِن أقدم حواضر البصرة (الحموي، معجم البلدان).

دعوني أُذكر بحضارة الماء وما شهده ابن حوقل (ت 367 هـ)، وقارنوا بين عطش البصرة اليوم وانعدام زراعتها بسبب غلق الجار الجنب لاثنين وأربعين رافداً، كانت منذ دهور دهيرة تصب إلى شواطئ البصرة. قال: "مياه الأنهار مفترشة... فربما رأيت في مقدار رمية سهم عدداً مِن الأنهار صغاراً تجري في جميعها السُمَيْريات..." (صورة الأرض). و"يمتد (شط العرب) لمسافة 110 كيلومترات حيث يصب في الخليج العربي عند مدينة الفاو" (دليل الجمهورية العِراقية لسنة 1960).

لذا لا تبدو النزاعات مع الجيران سهلة، سواء كانت مِن الأعالي شمالاً إلى مصبهما جنوباً، وهي تحديداً مع تركيا وإيران والكويت، بعد أن كانت (1974) مع سوريا بسبب حبس الفرات، حينها تأثرت المزارع والمراعي إلى حد الذبول ونفوق الحيوان، وتحول الماء الحلو (هكذا يسمي أهل العراق الماء العذب) إلى مالح أجاج.

علاقات العراق عبر عهوده الحديثة (1921-) مع دول النزاع على الماء كانت مثالية في الغالب، إلى الحرب العراقية الإيرانية (1980 -1988)، واحتلال الكويت (1990)، والشَّعب العراقي ليس له فيما حصل ناقة ولا جمل، وظل الحال حَسناً مع تركيا، حتى أنها رفضت طلب الأميركيين بتسيير جيوشهم إلى العِراق مِن على أراضيها (2003). فمِن قبل، وفي هذه الآونة خصوصاً، يتوافد الزوار الإيرانيون بأعداد هائلة، ومعلوم ما في ذلك مِن منفعة للشعبين، إلى جانب أساطيل التجارة غير المنقطعة، حتى صار السُّوق العِراقي، بعد أن تعطلت الصناعة وبارت الزِّراعة ولشحة الماء حصة، سوقاً بامتياز للجمهوريتين: الإيرانية والتُّركية، مِن الكهرباء إلى رأس البصل والباذنجان.

أما الكويت فعبر التاريخ كان للكويتيين حضورهم المألوف بالبصرة، تجاراً ومُلاكاً، فهي أقرب المدن مسافةً ومزاجاً وطبائع لهم، فتلك أملاك آل الصباح وآل الإبراهيم معروفة، ناهيك عن التداخل بين العائلات الصُّغرى والكبرى، وكم تضررت البصرة وتضرروا بانقطاعهم عنها.

عندما نُذكر بهذه الصِّلات، وبحاجة العراق للماء والمنفذ البحري بلا عراقيل وتزاحم الموانئ والممرات، نرمي إلى أن التجاور بين البلدان ليس مِن خيارات الشُّعوب، وأن مأمن الجار بمأمن جاره، فكيف إذا وصل الحال إلى حد العطش، وغدت الشَّراكة في الماء المالح والحلو مهددة.

لقد وصل الأمر إلى حراك النَّاس قبل الحكومة، فما شهدته خانقين، في أقصى الشرق، مِن احتجاج سلمي، جرى بمودة للشَّعب الجار، حيث اضطر الأهالي إلى الوقوف عند معبر المنذرية الحدودي، يُذكرون بعطشهم وذواء الحقول. كذلك أخذت قضية تشييد ميناء "مبارك" الكويتي طابعاً يلبد العلاقات بين البلدين بالسُحب.

ليس لي باع أحمد سوسة (ت 1982) أو عبد الأمير الأُزري (ت 1977) أو مكرم الطَّالباني أطال الله بعمره، في شأن الماء، كي أتحدث في نزاعاته وتهديها لما بين البلدان والشُّعوب مِن محاولات تعمير ما ثلمته السياسات العسكراتية، لكني أشعر أن محنة العِراق بوضعه الدَّاخلي الهش لا يجب أن يُضغط عليه كلَّ هذه الضغوط، فلا حصر الماء الحلو، ولا تشييد ميناء بما قد يؤثر سلباً على منفذ العِراق إلى البحار لصالح مستقبل الاستقرار بين الدول المتشاطئة، والوئام بين شعوبها خياراً. فالمياه الحلوة غزيرة بتركيا وإيران، وما أطول المسافات البحرية لإشادة ميناء بالكويت!

كيف ترد الماء وجارك الجنب ظمآن إلى حد الصَّدَى! وكيف تصلك الميرة عبر البحار والمحيطات وجارك الجنب تضيق عليه المنافذ! ما بين الجوار يُحسب للقادم مِن الأيام لا للراهن منها، فمثلما النَّاس شركاء في الثَّلاث، البلدان شركاء، وأولها شراكة الماء.

إن وضع العِراق السِّياسي الحالي، مِن الهشاشة، بحيث لا يسمح بحسم قضايا كبرى معه، فترى كتله السِّياسية ذات ولاءات موزعة على دول الجوار، فكتلة تريد تسليم البلد بقضه وقضيضه إلى الدولة الفلانية، بينما كتلة أُخرى تراها عدوة، والعُمران مع دولة أخرى، فالميزان الحزبي والطَّائفي هو المعتمد. إنها كتل لا تزيد على كونها ألسنة للدول لا ألسنة للعراق!

(نشرت في الاتحاد الظبيانية)

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com