العراق والاغتيالات المسجلة ضد "مجهول"

يتصرف القتلة وكأنهم يقومون بواجب رسمي.


ظاهرة تغذي الحقد والكراهية وسفك الدماء واحتكار الحياة


خلط متعمد للخطاب السياسي بين الحقيقة والكذب، ومحاولة تحويل الضحية الى جلاد

قصة الإغتيالات والتصفيات السياسية في العراق قصة طويلة وشائكة بالنسبة للذين يريدون التعرف على السلوكيات الخسيسة للمتورطين بها والجهات الداعمة لها، أما ملفها، فمفتوح منذ تأسيس الدولة العراقية قبل مئة عام وحتى اليوم، وثقيل على ضمائر كل الشرفاء الذين عاشوا المأساة تلو المأساة، وأثقل على أهالي الضحايا الذين لا يشفي غليلهم التعبير عن القلق أو الإدانة أو دراسة الموضوع من خلال تشكيل اللجان التحقيقية المبعثرة، وبالتأكيد لا تنقطع معاناتهم بإختراع القصص الواهية غير المجدية التي لا تقدم نتائج من شأنها القبض على الجناة، ووصمة عار على جبين الفاشلين في مقارعة الحجة بالحجة، ومواجهة الرأي بالرأي، والفكرة بالفكرة، والمتواطئين حيالها والذين ساهموا ويسهمون في منع الكشف عن ظروفها الحقيقية وإضاعة معالمها.

هذه القصة، رغم أنها جزء لا يتجزأ من التاريخ العراقي المأساوي الزاخر بالويلات والحروب والانقلابات والمعتقلات والمؤامرات، لكنها توسعت في ظل حكومات ما بعد 2003، عندما أطلقت الرصاصة في مقابل الكلمة ووقف كاتم الصوت في مواجهة الرأي، وعندما حل إسكات الخصم أو المناوىء أو حتى الصديق المنافس أو المختلف أو المغاير. وعندما حلت الضرورات الحزبية والمذهبية والوطنية والقومية والأفعال الدنيئة والإنتفاع الفئوي اللامشروع والغدر وتدنيس البراءة محلّ الحب والرأفة. وعندما طالت الإغيالات فئات مختلفة من العراقيين وشملت العلماء والأطباء والضباط والسياسيين والفنانين والكتاب والمثقفين والصحفيين والشعراء والناشطين المدنيين والكثير من أصحاب المشاريع الفكرية والإجتماعية بهدف تغييبهم وإستئصالهم.

سقت بهذه المقدمة لأتحدث عن الإغتيالات التي إستباحت دماء العراقيين خلال العهود الملكية والجمهورية والدكتاتورية و"الديمقراطية"، وعن تخبط الحكومات في منعها وفي معالجة أسبابها والإحاطة الكاملة بأحجامها الحقيقية المؤلمة، والتي وصلت الى ذروتها في ظل حكومة عادل عبد المهدي التي تراجعت أمام السلاح الميليشياوي، حيث كان القتلة يمارسون عمليات الإغتيال في وضح النهار وأمام كاميرات الأجهزة الأمنية ثم ينصرفون كرجال قاموا بتنفيذ واجبهم الاعتيادي والروتيني برؤية وتأن وإطمئنان كامل من عدم الملاحقة والمحاسبة. إغتيالات تواصلت في عهد حكومة مصطفى الكاظمي، ومازالت تثير الجدل لتسجيلها ضد "مجهول" بسبب تشتت الجهد الوطني، ولعدم رصدها من قبل الهيئات والمؤسسات الدولية أو مراكز الدراسات والبحوث المستقلة أو الأكاديمية أو حتى التابعة للحكومة العراقية من أجل دراستها وتحليلها والتطرق الى دوافعها وذكر أرقامها بعيداً عن الظنون والنوايا المسبقة.

إغتيالات، تحولت الى ظاهرة تغذي الحقد والكراهية والفوضى والتصادم بين الأفراد والمجموعات، وتزرع الإرتباك وبذور عدم الاستقرار في النسيج الاجتماعي والسياسي، وترتبط باللاتسامح والفظاعة والأنانية وسفك الدماء والاستحواذ على الوجود وإحتكار الحياة، ويشمئز منها الضمير وتنفر منها فطرة الانسان السليمة، وتعبر عن مواقف جبانة ونوايا تريد حجب الحقيقة وتفعيل غريزة القضاء على منابع الفضيلة والحب.

والأمر الذي يدعو للأسف الشديد هو وصول الشعور الى درجة اليقين لدى العراقيين بأن الخلط المتعمد للخطاب السياسي بين الحقيقة والكذب، ومحاولة تحويل الضحية الى جلاد والمعتدى عليه الى معتدي، وتسجيل حوادث الإغتيال الكثيرة ضد "مجهول"، سيجعل المصائب والحوادث الأليمة تتوالى عليهم لا محالة، وسيظلون يعانون من تبعات الهشاشة والضعف على جميع الأصعدة، ولا يتنفسون الصعداء ويتلقون الصفعات تلو الصفعات وكأن هذا القدر لا يفارقهم. ويسئمون الحياة في وطن يفتقر الى غالبية معايير الوطن.

وأخيراً، صحيح أن وضع العراق صعب والحلول ليست سهلة، ولكنها موجودة، وهناك بصيص أمل.