العراق: نموذج متوالية قتل الأشقاء

بقلم: د. فهمي الفهداوي

الدول العربية: دول هشة، سيادتها ليست طوع أمرها، وقد أثبتت تجارب العلاقات والصراعات الدولية، تبعية هذه الدول في غالبيتها، إلى الانضواء والشروع في تنفيذ توصيات الإدارة الأميركية، سواء كان ذلك في السر، أو بشكل معلن، وبالتالي وضمن حسابات السياسة، فلا مجال بين ما ترغب به قلوب الكثرة الشعبية المعارضة من جهة، وبين الأيادي من القلة الحاكمة، التي ترسم واقعا محسوبا على ارض الحقيقة الفعلية، في إطار عقلي – مصلحي محض، وهذا يمثل الجهة الأخرى،التي تقف خلفها وعلى الدوام الإدارة الأميركية، طبقا لسياساتها المعتمدة وإستراتيجيتها المقرّة، إذْ لا مجال في نكران هذه المسلمة السلوكية، ضمن معطيات الساحة السياسية للدول العربية، خاصة خلال الثلاثين سنة الماضية وحتى يومنا هذا.
فالقضية الفلسطينية تمت تصفية أبعادها، طبقا للمشيئة الأميركية، التي تسخّرت في الأساس لخدمة الكيان الصهيوني، وكانت الدول العربية تهرول خارج الإطار الفعلي، الذي يضمن للشعب الفلسطيني أي حق يذكر، وها نحن نعيش أمام قضية تكتيكية تحللت مستحّكماتها كقضية كبرى، بين كيانات تصارعية محكومة بسياقات مرحلية، لا تعيد مهاجرا إلى وطنه، ولا ترفع علما لسيادة دولة آمنة من اجتياحات عدوانية متكررة.
ومثلما استطاعت الدول العربية، أن تعيش مضحية بشقيقتها في فلسطين، استطاعت على عجل أن تتجاوب مع فكرة التفريط بالشقيقة الأخرى في العراق، وأن تشهد مقتلها من خلال الغزو الأميركي لها، الذي تجاوز في بوهيميته كل مأثرة حسنة جاءت بها أخلاقيات البعد الإنساني في فعل القتل والدمار، على وجه الأرض والكون ومنتوج الثقافة البشرية.
إذن نحن أمام متوالية قتل الأشقاء والشقيقات من قبل الغرباء الصهيونيين والأميركيين، والتضحية بالمقتولين والسكوت على مقتلهم من قبل الأقرباء وبقية الأشقاء، وهذا هو ما ينطبق عليه حال الوصف دون مواربة، بالنسبة لحزمة الدول العربية، وينبغي أن لا نعمد في كل فاجعة تحدث ضمن بيئتنا من قبل أميركا والقوى الممثلة لها، إلى تحميل الدول العربية مأساة ما يحصل لها مجتمعة أو لدولة محددة من دولها، لأنها بكل بساطة دول ليس لها حول ولا قوة، أمام أميركا وقوتها الضاربة في أرض العرب.
وينبغي أن لا نبتعد عن عقدة المأساة الجوهرية في قضية مسخ الشخصية السياسية للقرار السياسي العربي، من خلال إلقاء التهم ناحية جامعة الدول العربية، وصبّ جام الغضب الانفعالي على أمينها العام، والمنظمات الشبحية الفرعية المرتبطة به، لأنَّ الجميع يُشكّل نسيجا توحّديا مع أصل المسخ وصورته وتحولاته وإرهاصاته، بناء على سوابق المواقف والقرارات، التي سلّمت مفاتيح العواصم العربية، إلى سادة البيت الأبيض – أصحاب الضمائر السود، وهؤلاء فقط هم أهل الحل والعقد، وتخضع جميع مقدرات شعوبنا وأوطاننا، طبقا لإرادتهم الحرّة، التي لا تعلو فوقها إرادة، ويجب أن تكون هذه الحقيقة، التحصيل الحاصل لكل حدث مأمول، ولكل قضية يُراد لها حلُّ ما.
فمهما قيل عن كثرة الشعوب العربية، ومهما قيل عن حجم الثروات المالية والطبيعية عند العرب، سأقول بمنتهى البساطة: شعوب كثيرة وسيوف من خشب، وموارد أكثر ومفاتيح خزاناتها في البيت الأبيض، الذي يحتكر صكوك تعيين حكام العرب، وله القرار الفصل في بقائهم وطردهم وإعدامهم إذا اقتضى الحال.
ومن لا يتفق مع هذه التصورات، فلن أتناقش معه على الإطلاق، لأنه يجتهد في معرض الحقيقة، ولا يريد أن يذعن للشواهد الدامغة.
فها هو العراق، الذي دخل أجندة التقسيم، ضمن جعبة الأفكار المستقبلية، التي سوف تتصدر قرارات الإدارة الأميركية الجديدة في قابل الأيام، سيكون القربان الشاهد على دلالة كون الدول العربية، لا علاقة لها بالعراق، ولا بفلسطين من قبل العراق، وكونها ماضية مع متوالية قتل الأشقاء.
هذه هي الحقيقة مع الأسف، ولكن ثمة حقيقة أقوى منها، ألا وهي مقاومة الجماهير والشعوب العربية لكل هذا العار التاريخي بسيوف من حديد، والبدء من جديد. د. فهمي الفهداوي
مدير مركز الحكم الصالح للدراسات الإستراتيجية