العراق نحو الهاوية

بقلم: حمزة الحسن

لسنا بحاجة إلى شهادة الدكتور جاسم تقي الأستاذ في جامعة اسلام آباد كي نعرف أن العراق ينحدر نحو الهاوية حين كتب أن هناك اتفاقا امريكيا اسرائيليا على تقسيم العراق، فمثل هذه الشهادة لا تضيف جديدا على ما كنا نعرفه ونقوله منذ سنوات.

ويبدو أن جوقة غناء الفيدرالية لا تقتصر على السيد موفق الربيعي الذي أسند اليه هذا الدور العلني المبكر في غياب حكومة شرعية منتخبة وفي غياب مؤسسات قانونية ودستورية مسؤولة عن تقرير مصير البلاد والعباد.

اليوم تقول الصحف والأخبار والوقائع أن العراق سيقسم إلى تسع ولايات وكل ولاية تتمتع بالاستقلال الذاتي، وهذا يعني بالعربي الفصيح تحطيم ما تبقى من الكيان العراقي وتهشيم كل مقومات الدولة الوطنية وإلغاء الهوية وحبس كل طائفة وشريحة وفرقة داخل طقوسها ورموزها وجلودها. بمعنى أدق تدمير الاندماج الاجتماعي وتأسيس الوطن، السجن، الغيتو. إنه أحدث أنواع "الابارتيد" العنصري.

بموجب هذا التقسيم الذي وضع تحت شعارات إدارية ملفقة عن تيسير شؤون الدولة المركزية وما شابه هذا الكلام، سيكون من حق الشيعي المؤمن بولاية الفقيه مثلا أن يقيم مناهجه الدراسية والقانونية والتشريعية على هذا الأساس، والشيعي المعتدل يبني مؤسساته وفق رؤيته الخاصة، وان القانون المطبق في العمارة غير القانون المطبق في البصرة، وان الحنبلي غير الشافعي، وان الموصل محكومة بأنواع من المرجعيات، كما أن الاخوة المسيحيين سيكون لهم استقلالا ثقافيا واداريا ومرجعيات في الثقافة والمال والقانون والغرام.

من يصلي على طريقة الشيخ ابو حنيفة له قانون، ومن هو مؤمن بالمدرسة الكيلانية له تشريعه الخاص، والشيوعي العقلاني له مدرسة ومنهج وجغرافية، والمتطرف له كيانه وإداراته، ومن يصلي مكتوف اليدين له ولاية، ومن يصلي لله له ولاية، ومن يصلي لبريمر له ولايته أيضا.

وهناك أكثر من قبلة وحج: هناك من يصلي لمكة، وهناك من يصلي على اتجاه واشنطن، وهناك من يصلي لأنقرة، وهناك من يصلي لتل ابيب، وهناك من يصلي للموساد... الخ.

والأكراد أنواع السليماني والأربيلي والسوراني والخانقيني والأغا والاسلاموي والقومي والوطني والمعتدل والثوري والانفصالي والعقلاني الخ. الخ.

ماذا تبقى لكم ايها العراقيون بعد اليوم؟ وعلى أي شيء تختلفون هنا على المواقع والصحف وعلى الأفكار ووطنكم يقرر مصيره كخروف العيد في غرف العتمة؟!

وماذا ينفع الخلاف بعد اليوم عن الوضوء والنجاسة والحرية والأفكار والديمقراطية، والوطن تزحف عليه النجاسة من كل مكان، ولا ينفع معه كل انهار العالم؟!

هذا يشبه من يعوي على القمر أو على سراب أو يعض الرمل أو يختلف على أسمال.

قبل سنوات كتب الروائي الروسي المنشق سولجنستين كتابه الشهير «روسيا إلى الهاوية» وسجلت ذلك في روايتي «سنوات الحريق» توقع موت روسيا بعد سنوات واندثارها هو الذي تنبأ بموت الامبراطورية السوفيتية حيث الليالي الدافئة حلت محل المياه الدافئة.

إنها امبراطورية الليل.
لا أحد يكترث الآن بالثلوج.
إنها تهطل بعيدا عن الانظار المنهمكة في أشياء أخرى.

يقول في النهاية:جربت كل انواع الثلوج. الان أشعر بان ثمة ثلوجا في الجحيم في انتظارنا. يا أخوتي أرجوكم أن لا تموتوا. ابقوا على هذه الأرض. إن موتانا كثيرون.

وأنا أقول لكم:

أرجوكم يا إخوتي أن لا تموتوا
إن موتانا كثيرون.

نحن حتى لم ندفن موتانا بعد!
*** * حمزة الحسن، روائي عراقي www.hamza.ws