العراق ... لماذا لا نعلنها دولة دينية لنريح ونستريح؟

الاتجاه يسير إلى دولة دينية بلا إعلان؟

نواصل لعبة "طم خريزة"، ونكررها كل يوم وكل ساعة، حتى باتت سمجة، كريهة، تُصيبنا بالدوار والغثيان، بدلاً من المتعة والاسترخاء، وسط دوي التفجيرات والمفخخات، والأصوات المزعجة لسيارات الإسعاف، ووسط آلام وصراخ أهالي الضحايا.

فتكرار الالتزام بالدستور ومضامينه ومبادئه، هو الآخر، أخذ يلازم خطب القادة والنواب وبياناتهم وتصريحاتهم، كما البسملة، إيهاماً للمواطنين بأن الدولة التي تشكل حاضنتهم، وحامية حماهم، حريصة على ردّ أي تجاوز عليه او خروجٍ عن متنه ومواده وحيثياته. ويسمع من يتابع الخطب والصولات والتصريحات، تنديداتٍ مقذعة بالطائفية، وشتائم لكل طائفيٍ فرداً كان او جماعة، وتعريضاً بالمحاصصة الطائفية وشرورها، حتى تخلت كل الكتل والأحزاب والجماعات عن الاسماء او الواجهات التي تضعها موضع الشبهة الطائفية، وتسمها بميول تشجع على ممارسة او قول ما يسبب شرخاً بين الطوائف، ويفرق المواطنين، ويوقظ الفتنة الطائفية، ويغذي مكامنها.

والدستور نفسه يحّرم اي تمييز أو تفرقة، على أساس طائفي، قبل اي ميول وأسباب اخرى للتمييز والتفرقة، ويؤكد، رغم كل صياغاته "حمّالة الأوجه"، على الطابع المدني للدولة. واينما تعارض النص الدستوري مع هذا التوصيف والطابع، ومع الديمقراطية وحيثياتها، بنصٍ يثير البلبلة، قابله بنصٍ ينفيه، ليكرس من جديد الأصل فيه. ويُفترض أن الدستور، وهو أبو القوانين والتشريعات، ينقض اي قانون او تشريع يتعارض، لا مع مواده، بل مع روحه وجوهره أيضاً.

لكن الحديث عن الدستور، وحرمته وصيانته من العبث والتلاعب، ليس سوى كلام يُطلق على عواهنه، ولا وزن وقيمة سياسية له، بعد ان تم بإصرار، نقضه والتجاوز عليه وإبطال مفاعيله، منذ لحظة الانتهاء من الاستفتاء عليه شعبياً، وبعد ان ضمن كل طرفٍ حصته الممكنة، في ظل التوازن السائد عند صياغته واقرار مسودته، انتظاراً لجولة تتيحها فرص قادمة ليسمح إخلال التوازن، بإعادة النظر فيه، فيصبح تجسيداً لإرادة القوة المهيمنة سياسياً. وقد تناسى اللاعبون الأساسيون، انتظار تلك الفرصة، للانقضاض على الدستور المُقر، فشرع كل طرف، في قضم ما رأى فيه تعارضاً مع توجهاته ومصالحه، وانتهت بذلك قدسية المرجعية التشريعية الملزمة، والحامية للحقوق والحريات، والقواعد التي تُبنى عليها الدولة المدنية.

ولم تنفع المحاولة البرلمانية التي بُذلت في اطار الجهد الإصلاحي، ومحاولة تصحيح مسارات المصالحة الوطنية المختلة، في تدارك المخاطر التي ترتبط بخرق الضوابط والمبادئ الدستورية في ادارة الحكومة، واعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وتشريع القوانين الضامنة والمفسرة.

فأدارت الكتل النافذة ظهرها لقرار البرلمان الملزم لاجراء التعديلات التي تم التوافق عليها، خلال مهلة ستة اشهر بعد تشكيل لجنة التعديل من قبل البرلمان السابق المنقضية ولايته في ٢٠١٠، وراحت تواصل انتهاك الدستور على كل صعيد، وتجعل من الاستثناء قاعدة للأحكام والقرارات، واعتمدت، بلا حساسية وطنية واينما كان ذلك يصب في طاحونتها، تشريعات وقوانين "مجلس قيادة الثورة" وقرارات رئيسه. ولم يكن ذلك كافياً، كما يبدو لتأهيل سلطة باغية والتفرد بالحكم الجائر الفاسد، فعطلت المسارات الدستورية للسلطات الثلاث، وألغت في الواقع العملي استقلاليتها، لصالح تغوُل السلطة التنفيذية ورئيسها، وتوجت ذلك بتجريد السلطة التشريعية من صلاحيتها في التشريع، لتوكلها إلى السلطة التنفيذية أيضاً، وتُزيد بذلك من تغوُلها.

ومع التقادم وتوالي النكبات على العراقيين، وضياع آمالهم في الأمن والاستقرار، الذي بات مطمحهم الاول، وجعلهم يتناسون حتى لقمة العيش والخدمات ومستلزمات الحياة الكريمة الاخرى، صار الدستور ومتابعة خرقه والتجاوزات اليومية عليه، ضرباً من ضروب البطر والترف السياسي. فاي دستور، واي قانون، واي تشريع، وقد أمست حياة كل عراقية وعراقي في مكامن القتلة التكفيريين من جانب، وانتهاكات وتعديات السلطة المنفلتة الجائرة من جانب آخر، ولسان حال كل منهم يردد مع نفسه، كل صباح ومساء: اللهم سترك وحمايتك من الطغيان.

ظاهرة خطيرة تشي بالكثير!
والمفجع، ان قيادات الكتل والاحزاب الحاكمة، التي حولّت بسلوكها ونهجها في الحكم، او صمتها وتواطؤها على الانحراف بمسيرة العملية السياسية المتعثرة، لتتكرس بفضل ذلك سيادة اللاقانون والتفرد وكل الممارسات المنافية كلية مع الدستور، اخذت تتمادى مع نزعاتها غير الدستورية، وتعود من جديد، لتطرح بين الاونة والاخرى، مشاريع قوانين وتوجهات، لا تدخل الا في باب الامعان بإيقاظ الفتنة من مخابئها، وصب الزيت الفاسد على نيرانها، متناسية كل ما كانت تقوله وتطرحه من تعريض وتنديد بالطائفية والمذهبية ودعاتها.

قد يُقال ان الحق في الاقتراح والاجتهاد، في نظامنا الديمقراطي "المهلهل" يكفله الدستور، والرأي الاخر من موجبات الديمقراطية، وبالتالي تصبح كفالة حقوق اهل هذا المذهب او الطائفة من بين الحقوق التي ينص عليها الدستور، فأي ضير على سبيل المثال في اقتراح قانونٍ جعفري للاحوال الشخصية، يحفظ للشيعة ممارسة شرعية لهم في أمور الزواج والطلاق والعائلة، ويمكن أن يعقبه قانون آخر لأهل السنة، ولغيرهما من الملل والنحل والتكوينات...؟ لا ضير في ذلك.

بل لا ضير في النص على إعادة سياقٍ منسجمٍ لهذه الدولة، لتصبح على مقاسات من يتولون التصرف بكل جانب من جوانبها، ويمعنون في إشاعة الخراب والفساد في كيانها، وُيثرونها بمآثرهم في التصرف بثروتها وتقتيل أبنائها، باسم الدين التكفيري تارة، وعلى الهوية تارة أخرى، وهي كلها مظاهر لا علاقة لها بالدولة المدنية، حتى وان كانت، متصدعة وفاشلة، ومُهددة بالانهيار، كما هو عليه دولتنا، اللادولة.

فلماذا لا تعلنوها مرة واحدة، وبلا مداورة أو خجل، دولة دينية، كلية الأركان والحدود، فتريحون أنفسكم ونستريح.

ولكن أي دولة ستكون: شيعية أم سنية...!

واي عراقٍ سيظل في اطار الدولة الفاشلة؟ عراقاً واحداً، أم إمارات إسلامية، تتناهبها الكتل والأحزاب والميليشيا؟

فخري كريم

صاحب مؤسسة المدى