العراق: كيف ننقذ الوطن؟

يشهد العراق منذ فترة تظاهرات وإعتصامات في بعض مناطقه، ولأن الأمر يخص الوطن وكيانه ووجوده فهو يحتاج منا إلى عمل سياسي وإجتماعي وثقافي يخفف من حدة هذا التنازع ويقلل من قيمة الصراع ويوجه ذلك لما ينفع ويخدم الوطن، وهذا الفعل يستلزمه الكثير من الحنكة والكثير من الصبر، ولازمه عدم الإنجرار وراء ردات الفعل التي تصدر من البعض قليلي الحيلة عاطفي المزاج، والتعامل بواقعية وعقلانية إن أردنا أن يستقر الحال.

إن الإنفتاح على المعتدلين منهم وإشعارهم بخطورة الأمر على الوحدة الوطنية، وبإعتبار ما يقومون به كارثة سيطال شرها الجميع، وفي هذا المجال يبدو لي إن هناك جهات مسؤولة تعمل للحد من هذه الفتنة وتقليص حجمها وتداعياتها، وهذا الشيء ألمسه وأحسه وقد حدثني ممن أثق به وبوطنيته عن ذلك، وقال: إن هناك من داخل الحكومة ومن خارجها من يعمل ويتحرك بعقلانية ومن دون ضوضاء ليمتص زخم هذا الحراك ويُنهي هذا التشرذم، سواء من خلال التذكير بقيمة الوطن أو بما يمكن القيام به من أجله عبر التأسيس لمشاريع إستراتيجية وخدمية تقترب كثيراً من طموحاته وطموحات البعض وتستجيب للكثير من شعاراتهم.

إن الرد الحاسم الذي سمعناه من قبل الأجهزة الحكومية على البعض ممن يحاول إثارة الفتنة وتشكيل المجاميع والمليشيات المنفرة هو عمل جبار ومحمود وهو مانريده ونطلبه في هذه المرحلة سداً للذرائع وإثبات للكفاءة والقدرة في إدارة الصراع على نحو وطني تسالمي خالص، إن الحكومة ليست طرفاً في هذا الصراع ولا يجب ان تكون بل هي مؤوسسة رعاية لحماية الجميع بحدود الوطن وتلبية حاجاتهم، ولكي يكون ذلك ممكناً لا بد من طرد هؤلاء المنفرين والساذجين وممن يحاول التدافع مع أجهزة الدولة الرسمية، إن تظاهرات المناطق الغربية تحتاج في مواجتها إلى كياسة وفطنة وطنية تتحلى بروح واقعية صادقة وإدراك حقيقي لطبيعة المشكلات والأزمات والتعرف عليها وعلى طبيعتها ونوعيتها، وذلك القرب سيجعل من الحل ممكناً وميسوراً كما سيقرب ذلك كثيراً من وجهات النظر ويُقارب بين المتخالفين من أجل ملامسة البعد الحقيقي للمشاكل وتفهم خطورتها وتأثيرها إن أستمرت أكثر في هذا الإتجاه.

ولقد قلت لبعض الأصدقاء والمحبين إن هذه التظاهرات والإضطرابات ومهما كان رأينا فيها أو إجتهادنا فيها فلا بد من التعامل معها بواقعية ومن دون صراخ والتخفيف من حدة النوايا غير الظاهرة وعدم التركيز عليها مع فهمها وإدراكها، يُصاحب هذا التوجه عدم تشجيع الأطراف على خلق المزيد من المشكلات، فهناك من يحتفظ بكم هائل من الدعاوى والتزييف لكي يشوه روح الوطن الواحد ويُكدر صفاء المواطنة التي يمكن أن تجمع بين العراقيين هذه هي الحقيقة، وعلى المشتغلين بهذا الهم أن يعرفوا الحدود والأمكانات كي يضبطوا الإيقاع على ضوء الحركة، وهذا التصرف يحتاج إلى وعي وشعور وطني متين وإستماتة بادية تظهر للكافة مدى الحرص على المستقبل وعلى العملية الديمقراطية وبناء الوطن، فالوطن اليوم هو كالبحر الهائج المضطرب هذه هي الحقيقة وبقدر إيماننا به وثقتنا به يمكن أن نُعيد له إستقراره وهدوءه ومكانته وتماسكه وفعاليته وقدرته، وفي ذلك نكون قد أجتزنا الإمتحان الصعب وحالة الإهتزاز والإرباك، وفي ذلك ندعو من يستطيع أن يكون إيجابياً في هذا المجال فليدلي بدلوه مؤثراً وضامناً للبلاد من التفكك والضياع، وعلى بعض وسائل الإعلام التي تنفث السم التوقف لأن مصلحتها في بقاء الوطن الواحد وليس في الأجزاء المفككة، وعلينا أن لا نكون طوباويين كثيراً في هذا الشأن بحيث نطلب من الحكومة كل شيء هذا محال بل غير ممكن - فالشعور بالمسؤولية الوطنية هو شعور أخلاقي وإنساني قبل أن يكون سياسياً. ثم إننا نعلم إن هذه الأعمال تدخل في باب - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - هي العمل الصالح الذي جاء ذكره في القرآن الكريم.

ولا يظنن أحد إن بإمكانه تخريب الوحدة الوطنية بمجرد التذكير ببعض ما فسد في التاريخ أو التذكير ببعض الشخوص، فوحدة الوطن هذه أكبر من المواقف والأمزجة وهي نفسها التي أستصعبت على كل قوى القهر والإحتلال، ونقطة الإرتكاز في هذا والتي ننطلق منها هي الروح العراقية الوثابة الحية والقابلة للنمو والتحرر من الإنغلاق والطائفية، هذه الحقيقة واضحة في أذهاننا راسخة في نفوسنا، وقد أيقنّا بها عبر تجارب شتى عاشها الوطن هذه الوحدة هي الأمل الوحيد الذي يجب ان نحافظ عليه ونحميه من الزوال والضياع فيما لو قصّر أبناءه في مهمتهم ولم يؤدوا ما عليهم من واجبات ومسؤوليات مترتبة عليهم ليكونوا في المستوى والشعور الذي يؤهلهم ليكونوا وطنيين بحق.

ولابد أن نعترف بان قوتنا تكمن في وحدتنا الداخلية أي بين مكوناتنا، يعني هذا أن ننزع من رؤوسنا طلب العون والمساعدة الخارجية من الدول والأحزاب والهيئات، ولنفهم إن كثيراً من هذا الجدال الدائر هو مفتعل ومُسير من الأغراب وهو على الضد من مصلحة الوطن والمواطن، وإذا أيقنا بذلك وأمنا به فإننا نكون قادرين على تجاوز هذه المشكلات وتجاوز هذا الرعب وهذا الذعر المتعاقب، وعلينا أن نقوم بواجبنا أفراداً وجماعات أحزاب ومنظمات لخلق جو من التفاهم ونفي الإحساس بالغبن أو بعض الهوس النفسي الذي نفتعله ونتحرك على أساسه، فكل هذا في حقيقته وهم إن تأملنا العراق ومايعانيه من مشكلات وتخلف في البنى والنمو والتقدم، وأرجوا أن يصل خطابي هذا ليخفف من وطأة هذا الهيجان في الساحات للمعتصمين، لينفي عن البعض شبهة التلهي السياسي والتلاعب بالمشاعر والأحاسيس.

إن الأساس الدائم في هذا الظرف وفي كل ظرف هو ان نقوم بواجبنا ومهامنا، وذلك من خلال تحقيق التوازن النفسي والسياسي وفي لغة الخطاب والإعلام، أي نحقق العدالة الإجتماعية بين مكونات الشعب من خلال الموقف المناسب من قضاياهم من دون تمييز أو إبخاس، وتوجيه الأنظار للأهداف الوطنية المقدسة التي تشوهت وتجزأت وتحرفت، بفعل بعض المجاميع التي جعلت منها ذرائع لغير المقاصد الحقيقية وشعارات لمصالح غريبة عن الوطن ومعادية له، والمؤسف إن النزاع اليوم بين العراقيين هو نزاع فاسد نزاع طائفي ظالم ومقيت، ليس نزاعاً في الحرية وفي العدالة وفي السلام وفي الوحدة، انما هو كما قلنا انتقل الى مرحلة أخطر، وارتدى ثوباً مموّهاً فصار نزاعاً عن الأحقيات التاريخية المزعومة مما جعل من الوطن والمواطن أجزاء وأقسام، وهم في فعلهم هذا إنما ينوبون عن الأغيار في تحقيق مصالحهم وعدوانيتهم وحقدهم، ومن يتأمل هذه التحركات يجد فيها أهدافاً غير صالحة على طول الخط، وهي التي كنا نحاربها ونحارب من يدعوا لها في السر والعلن.

إن تظاهرات المناطق الغربية تحولت من مشروع إصلاح إلى عبث وفوضى على أيدي فئات محترفة، وهناك من يريد تحقيق مصالحه الخاصة من خلالها عبر إشاعة الفوضى واللانظام، إن واجب علينا ان نترفع عن هذه المنازعات التي لا تمت الى حقيقة القضية العراقية بصلة، وإن سميت باسمها واتّخذت لها ألفاظاً عراقية وتسميات عراقية كذلك، ولكنها في الواقع تعبر عن منطق غريب في ظل عدم الإستقرار والتخريب، أن واجبنا هو أن ننبه العراقيين جميعاً إلى خطورة ذلك وإلى ما فيه من خطأ وتضليل، كما إن من واجبنا حث الجميع على التمسك بالعراق الواحد كي لايطال التقسيم هذا البلد يوماً ما، علينا أن ننقذ العراق بما ينفعه ويعافيه ويزيل عنه همومه وتعب السنيين، إن إنقاذ العراق يحتاج لنكران الذات وعدم الخلط بين الحقيقة والوهم.