العراق في مهب الغبار

إعداد: أحمد عبد الله
الغبار عدو اخر للعراقيين

دأب العراقيون، في سالف الزمان، على وصف اليوم العسير من أيام حياتهم بأنه "يوم أغبر". ولكن منذ بدء الغزو ونجاح الولايات المتحدة في إحلال ديمقراطية الدبابات والطوائف والمليشيات، فقد أصبح كل يوم "أغبر"، ليس بالمعنى الرمزي فحسب، وإنما بالمعنى الواقعي أيضا.
فالجفاف، وتراجع الزراعة الواسعة التي كانت تنتظم في إطار الجمعيات التعاونية، وانهيار معظم الخدمات التي تقدمها الدولة للمزارعين، بل واختفاء الدولة نفسها، جعل من الغبار حقيقة يومية، في معظم أرجاء العراق، وبخاصة الجنوبية منها. وتكفي نسمة هواء لتتحول الى عاصفة غبار تجعل من العسير السير في الشوارع من دون كمامات.
ويشكل الجفاف وتراجع الغطاء النباتي ولو من الاعشاب البسيطة، عاملا أساسيا في اتساع ظاهرة الغبار. فقد أصبح سطح الارض هشا وعرضة لتقلبات الطقس بين كتل هوائية باردة واخرى حارة تؤثر على الارض تاثيرا كبيرا.
وفي السنوات الاعتيادية، في الماضي، فأن عدد الايام المغبرة في العراق لم يكن يتجاوز العشرة أيام من كل السنة ويتخذ خطا من جنوبي مدينة الموصل وصولا الى جميع مناطق العراق الوسطى والجنوبية ويزداد حدة كلما اتجه نحو الجنوب حتى يصل مدى الرؤية الى بضع امتار مما لا يسمح حتى بحركة السيارات على الطرق العامة.
وتعد الصحراء الغربية وامتداداتها في الاراضي السورية المنشأ الاساسي السابق للغبار، وهي منطقة مكشوفة وقليلة الغطاء النباتي وفيها مناطق شاسعة تغطيها الرمال الحمراء التي تتصاعد بفعل كتلتين هوائيتين باردة في منطقة الشام وحارة في مناطق العراق. إلا ان الغبار القادم من الوسط والجنوب والغرب هذه الأيام صار يتجاوز ما كانت تفعله الصحراء الغربية.
وتقول ربات البيوت ان الغبار يخترق جميع التحصينات الدفاعية التي يتخذنها لحماية خزانات الملابس والقدور، وأصبح من العسير عليهن إعداد وجبات طعام من دون أن يكون الغبار جزءا "من الطبخة". وهذا، بطبيعة الحال، إذا وجدن ما يطبخنه أصلا. فديمقراطية الدبابات والطوائف لم تقصر "خدماتها" على تدمير البنية التحتية في البلاد، ولكنها أفرغت القدور لتغزوها بالغبار.
وتقول إحداهن "ان الغبار يسبب لي تعبا مضافا لانه اصبح زائرا دائما لخمسة ايام في الاسبوع وذرات الغبار تدخل كل شي في المنزل حتى داخل الثلاجة والاجهزة الكهربائية مع شبه غياب للمياه التي تساعد على التخلص منه من خلال استخدامها للتنظيف وازالة اثار الغبار.
وفضلا عن ربات البيوت فان مرضى الربو وامراض التنفس الاخرى غالبا ما يكونون ضحايا تلك الموجات في ظل عدم تمكن المستشفيات العراقية في المحافظات من تقديم الخدمات الطبية والعلاجية لهم، حيث انها هي الاخرى تشهد غيابا للتيار الكهربائي ونقصا في الادوية والمستلزمات الطبية. ومع هذا فهي تشكل ملاذا للعديد منهم هربا من نقص الاوكسجين الذي يرافق تلك الموجات.
وقد اصبح مألوفا منظر الناس وهم يضعون كمامات على انوفهم وافواههم لتقليل نسبة الغبار الداخل الى رئاتهم فيما اصبحت تلك الكمامات تباع في الاسواق بشكل طبيعي ولها سوق رائجة.
ويتأثر القطاع الزراعي بفعل الغبار، وتدنت الى حد كبير نسبة الانتاج بسبب تراكم ذرات الغبار على اوراق النبات مما يحد من عملية التنفس في النباتات، كما ان ذرات الغبار غالبا ما تمنع تلقيح معظم زهرات الفواكه والخضر. الأمر الذي يعني المزيد من التدهور البيئي، وبالتالي المزيد من الغبار.
ولكن للغبار حسنة واحدة، لا أحد يمتدح الإحتلال عليها، وهي انه ساهم في خفض درجات الحرارة لتصل الى ما دون الاربعين مئوية وهي اقل بعشر درجات عن معدلاتها المعروفة في مثيلتها من الصيف والتي تصل احيانا الى خمسين درجة مئوية.
وفي السابق، فقد كانت غابات النخيل العامرة، تشكل "حواجز" طبيعية لحيلولة دون اندفاع الغبار من دون حسيب ولا رقيب. ولكن التدهور الذي أصاب زراعة النخيل أزال تلك الحواجز مما جعل البلاد "تنعم" بفوائد الغبار على نحو أكثر ديمقراطية.
ويقول الدكتور أسامة نظيم مدير مركز ابحاث النخيل في جامعة البصرة إن العراق كان يحتل المرتبة الاولى من حيث اعداد اشجار النخيل وانتاج التمور لكنه تراجع الى المرتبة ما بعد العاشرة في هذا المجال.
وعزا نظيم اسباب ذلك الى "أن الانظمة السياسية المتعاقبة لم تهتم بهذا الجانب، مبينا أنه في ثمانينات القرن الماضي شنت حملة لاعدام اشجار النخيل بسبب الحرب مع ايران التي امتدت لثماني سنوات وخاصة في البصرة"، مضيفا "أن العراق لديه الان 13 مليون نخلة من أصل 33 مليون نخلة في الستينات، وهذه كارثة بحق هذه الشجرة المباركة، وأن عدم وجود الدعم الكامل للفلاح جعله يترك النخلة ويتجه لزراعة أخرى أقل تكلفة وأكثر انتاجا وربحا".
وناشد نظيم الحكومة الاهتمام بالنخيل قائلا "النخلة تستحق أن تصبح شعارا للعراق، فهي ثروة تفوق الثروة النفطية، لو جرى الاهتمام بها، لذلك أناشد وزارة الزراعة أن تبذل جهدا وتلتفت لهذه الثروة الطبيعية الهائلة، وأن تحافظ عليها وتنميها كي يعود العراق البلد الأول في زراعة النخيل وتصدير التمور".
ويقول المهندس الزراعي عبد العظيم كاظم مدير قسم النخيل في زراعة البصرة "إن ما تبقى من نخيل هذه المدينة لا يتجاوز الآن ثلاثة ملايين نخلة بعد أن كان أكثر من 14 مليون نخلة وهو في تناقص مستمر، مضيفا إن هذا التناقص جاء بسبب عدة عوامل أهمها الحروب المتتالية التي بسببها جرفت مئات الهكتارات المزروعة بأجود أنواع النخيل في الفاو والسيبة ومدينة شط العرب".
وأضاف "إن هذا ليس السبب الوحيد وإن كان هو أهمها، بل هنا ملوحة المياه التي حولت بساتين النخيل إلى اراضي ملحية غير صالحة للزراعة بل أكثر من ذلك فان هذه الملوحة أدت إلى تلف العديد من البساتين خاصة تلك التي تقع في جنوب البصرة مثل السيبة والفاو وأبي الخصيب وشط العرب، بالاضافة الى ان اغلب الفلاحين توقفوا عن زراعة الفسائل بسبب الأحباطات المتكررة من عدم نجاح زراعتهم".
ومن الاسباب الأخرى، توجه أغلب الفلاحين إلى أعمال أخرى غير الزراعة لتوفير مردود مادي سريع يتناسب مع التضخم الاقتصادي وزيادة الأسعار المستمرة.
وكان يوجد في البصرة أكثر من 120 مكبسا تستخدم لتعليب التمور من اجل تصديرها، أما الان فيوجد ستة مكابس فقط، وهي قديمة جدا واساليبها متخلفة في عمليات التعليب والتغليف، مما قلل من امكانية منافساتها للتمور السعودية والاماراتية، بعد ان كانت تتفوق عليها وتحظى بشهرة عالمية.
ويشكل نقص المياه عاملا رئيسيا آخر في تراجع الزراعة وتفشي ظاهرة الغبار، مما دعا الخبراء الى دراسة السبل الكفيلة بمواجهة هذه الأزمة، حيث يعاني بسبها نهري دجلة والفرات من نقص حاد في مناسيبهما، منذ ازدياد اعداد السدود التي أنشئت على منابعهما في دول الجوار وتناقص نسبة سقوط الامطار.
وعكف عدد من المختصين في شؤون الزراعة والمياه في وزارة الموارد المائية على بحث الخطة الزراعية الصيفية لعام 2008 والتي ستلتزم بموجبها الوزارة بتأمين المياه إلى الأراضي الزراعية مع مراعاة النقص الحاد بالإيرادات المائية لهذا العام حيث بلغت نسبة الإيرادات لنهر دجلة وروافده 45 في المائة من المعدل العام و69 في المائة لنهر الفرات من المعدل العام، نظرا لاستمرار ظاهرة قلة سقوط الامطار والثلوج في أحواض تغذية النهرين وروافدهما خارج العراق وداخله مما أثر على مخزون المياه امام السدود والخزانات التي تؤمن المياه لبلاد وادي الرافدين.
وتوجد المنابع الرئيسية لمياه الانهار في العراق في أراضي دول الجوار هي تركيا وسوريا وإيران التي تقوم بإنشاء سدود ومشاريع ري كبيرة للاستفادة من مياه هذه الأنهار ما يتسبب بحصول العراق على نسبة منخفضة من المياه بالرغم من وجود اتفاقات دولية هذه البلدان حول توزيع المياه.
ووفقا لتقارير الجهات الرسمية العراقية فان "الواردات المائية الحالية لكل الأنهار الوافدة او الجارية في العراق تبلغ 43.92 مليار متر مكعب، لكنها تعاني ارتفاعا في نسب الملوحة، بخاصة في حوض الفرات في كل من تركيا وسوريا".
وتوقع عبد اللطيف رشيد وزير الموارد المائية العراقي ان تصل نسبة العجز في مياه الانهار المشتركة الواصلة إلى العراق من دول الجوار الى اكثر من 33 مليار متر مكعب سنويا بحلول عام 2015، "اذا لم تتوصل الأطراف المعنية الى اقتسامها بشكل عادل"، موضحا ان بلاده بحاجة لـ 50 مليار متر مكعب حاليا.
وشهد البرلمان العراقي خلال الشهر الماضي عدة مناقشات تتعلق بأزمة المياه، إلا ان المفارقة التي لم يلاحظها البرلمانيون هي أن الجفاف وتراجع الزراعة واختفاء الدولة وانهيار الخدمات، جزء لا يتجزأ من ديمقراطية الغبار التي حملتها دبابات الغزو الى العراق.