العراق في طريق الجلجلة

في الأشهر القليلة المنصرمة تم في المشهد السياسي العراقي خلط أوراق كثيرة، هكذا يبدو الأمر للوهلة الأولى، إلا أن حقيقة الأمر ليست هكذا تماماً، فمن ذا الذي لا يعرف طبيعة الإختلافات بين التحالف الكردستاني والتحالف الوطني، وبين المالكي والجعفري من جهة ومسعود البرزاني من جهة أخرى.

أزمة المركز والإقليم كما يصفون، هي أم الأزمات، أما باقي الأزمات فهي تتأجج وتخفت، تبعاً لما يضعف أو يقوي الأزمة الأم.

ليس الخلاف الذي تصاعدت حدته بين المالكي والبرزاني خلافاً شخصياً، ولا حتى حزبياً، وإنما هو إختلاف جوهري، ولعله مصيري. البرزاني يريد من المالكي ما أراده من الجعفري، وإذا كان الجعفري في حينه لم يستجب لإملاءات البارزاني وفضل ترك كرسي رئاسة الوزراء، فالمالكي أيضاً سوف لن يقدم للبرزاني ما يريد حتى لو إستوجب الأمر أن يترك كرسي رئاسة الوزراء، وأعتقد أن أي رئيس وزراء آخر حتى لو كان علاوي سوف لن يقدم على خطوة تقديم كركوك، والمناطق المختلطة (المتنازع عليها) على طبق من فضة إلى مسعود أو غيره من القادة الكرد. هذه مسألة ينبغي على القادة الأكراد إدراكها، إن كانوا يريدون العيش فعلاً في عراق موحد، يتمتعون فيه بحكمهم الفيدرالي الكامل.

أما إسطوانة التحالف التأريخي الكردي الشيعي، فهي إسطوانة مشروخة، وغير مبنية على أساس، أو في الأقل مبنية على أساس واهي، يفترض في جملة ما يفترض أن قسماً من عرب العراق يتحالف معهم ضد القسم الآخر، وأن هذا القسم لا تربطه بالقسم الآخر أية روابط، أو في الأقل أن ما يربطه بالأقليم أكثر مما يربطه بإخوانه العرب الآخرين، وهذه رؤية ساذجة تنطلق من الراهن المخلوق قسراً والمتغيّر بالضرورة، وتتجاهل الثابت. بدل التحالف الشيعي الكردي، او السني الكردي، يوجد تحالف ينبغي العمل عليه وتقويته ألا وهو التحالف العربي الكردي، الذي سيكتب له الدوام سواء كانت كردستان إقليمياً عراقياً، أم دولة مستقلة تتمتع بأحسن العلاقات وأرقاها مع جارها الأبدي العراق، ومثل هذا التحالف مفيد للشعبين، وضار بالمتاجرين بقضايا الناس، من الساسة الكرد أو العرب.

دعونا نختبر هذه الإفتراضية، إفتراضية التحالف مع وبالضد، وبعيداً عن تهريج الساسة من كل الأطراف، والذين يقولون الشيء ونقيضه، ويفعلون الشيء ونقيضه، ولتكن ساحة الإختبار، تلك المناطق المسماة مختلطة أو متنازع عليها.

من المعلوم أن هذه المناطق مختلطة فعلاً، يسكنها كرد (سنة وشيعة)، وعرب (سنة وشيعة)، وتركمان (سنة وشيعة) كما تسكنها طوائف أخرى كالمسيحيين بكل أطيافهم، والشبك (الشيعة)، والأيزيدية (عرب وكرد)، فهل يتصور الحليف الكردي أن الحليف الشيعي، الذي تحالف معه على هذه الصفة أي الصفة الشيعية، وليس على اساس أنه عربي، يمكن أن يتنازل، وهو بهذا العنوان عن الشيعة العرب، أو الشيعة التركمان، أو الشيعة الكرد، أو الشبك؟

إذا كنتم تحالفتم مع تحالف بعنوانه الطائفي (شيعة) فكيف تتوقعون من هذا التحالف، وهو بعنوانه هذا، أن يتخلى عن أبناء طائفته من الشيعة؟

أعتقد أن هذه لوحدها تكفي لجعل هذا التحالف (الكردي الشيعي) واهياً، ولا أظن أن الترقيعات تنفع، فالإختلاف كما أسلفت جوهري.

يصعب في مثل هذه الظروف الطلب من التنظيم الطائفي (سنياً كان أم شيعياً) الخروج من طائفيته، ودفعة واحدة، ولكن وحدة المصير تملي على السنة والشيعة التوّحد، على أن تكون وحدتهم هذه نواة لوحدة العرب والكرد والتركمان، ووحدة المسلمين والمسيحيين في إطار خيمة العراق، التي وحدها تضمن الأمان والإستقرار، وبالتالي النمو والتطور والإزدهار.

لماذا أطالب بوحدة العرب (سنة وشيعة) بادئ ذي بدء؟

لأني أعتقد أن هذه الوحدة هي التي ستضمن وحدة العراق، وهي التي ستدفع الأخوة الكرد إلى الإسراع في تحديد هدفهم، أما في عراق واحد، أو أن يختاروا الإنكفاء في دولتهم الحلم الذي طال إنتظارهم له، وهو أمر سيكون مُستبعداً، بعد إحتساب كلف الربح والخسارة. فكردستان لن تكون قابلة للحياة في إطار محافظاتها الثلاث، ومن دون حصتها من الميزانية الإتحادية، ومن دون كركوك، مستودع الثروة والنفط، فإن لا أحد من الأكراد يفكر بالإستقلال غير المُربح، وغير المُجدي، وكركوك لن تكون خارج العراق مطلقاً، ووفق أي حسابات، أذا كان عرب العراق موحدين، وبوحدة عرب العراق سيكون العراق منيعاً مهاباً وقوياً، ويحسب له ألف حساب، وطبيعي أن لا أحد في هذه الحالة يهدد بالإنفصال، إذا أن العراق الغني، المٌعافى، المرغوب فيه، سوف لن يمنع من يريد الإنفصال من الإنفصال، من دونما تهديد أو لي ذراع.

العراقيون الذين هم في مناطق التماس، توصلوا قبل غيرهم للحل الأمثل، وأظن أن وحدة العراق الحقيقية ستنطلق من هناك، الذين يعيشون في قلق على مصيرهم (كرداً وعرباً وتركمان) هم الذين سيجترحون مكرمة إيجاد الحل الأمثل، والأكثر عدلاً وإنسانية، ومن دونما تعصب لهذه القومية أو هذا المذهب أو ذاك الدين، وكل الدلائل تُشير إلى أنهم توصلوا إلى هذا بعد قطع طريق الجلجلة.

ربما هناك على الأطراف، في المحافظات التي تسكنها أغلبية سنية أو شيعية، بفعل الوحدانية والعزلة، وعدم الإختلاط، والشحن الممنهج، لم يتوصلوا بعد إلى هذا الحل، وربما ما زال بعضهم أسير الطائفية التي ما جلبت، ولن تجلب سوى الدمار، ولكن الأفق المسدود يفرض على الجميع إنتهاج الطريق الذي لا طريق سواه للخروج من الكارثة.

الذين عبروا طريق الجلجة يفتحون كوّة في النفق المظلم، هم يرفعون العراق راية، والوطنية هوية، فلتنزل كل الرايات وترتفع راية العراق، ولتتنحى كل الهويات وتسود الهوية الوطنية العراقية الواحدة، الجامعة، الشاملة، المُعزّة، التي تعطينا جميعاً الإعتبار الذي نستحقه.

صباح علي الشاهر