العراق... صعوبة توحيد الشيعة

ما حيلة الخروج من مأزق الطائفة؟

يطرح الحديث عن كتلة التحالف الشيعي سؤالين: هل من الضروري توحيد الشيعة؟ وهل من الممكن توحيدهم أصلا؟ والخوض في هذه الاستفهامات سيعيننا على التوصل إلى مستقبل أكثر من قضية حاسمة في السياسة العراقية.

وبالنظر الى السؤال الأول "هل من الضروري توحيد الشيعة" ستظل الاجابة معلقة بحسب القضية التي سيتوحدون عليها. فإذا كان الغرض هو الحفاظ على منصب رئاسة الحكومة، تخلصا من مخاوف التاريخ المشروعة وغير المشروعة، فإن القضية هذه حسمت منذ سنوات، واعترف بها كواقع حال، كل الاطراف الرئيسية. وقد شهدنا ذلك في 2010.

كذلك في محاولة سحب الثقة من نوري المالكي، فقد قال الجميع إن الهدف هو دعم بديل للمالكي من الأحزاب الشيعية، يكون بمنهج معتدل تصالحي ويوقف مهزلة الازمات التي لا تنتهي إلا بتخريب تسويات الامن والشراكة والتهدئة.

إذن لم يعد من الضروري توحيد الشيعة اذا كان الهدف هو ضمان رئاسة الحكومة، فما هي الأهداف الأخرى التي تجعل من توحيد الشيعة ضروريا؟

نعم يمكن أن يتوحد الشيعة على أساس برنامج لإصلاح الحال، وإدارة حوار مع باقي الأطراف، ينقلنا من السياسات المتسرعة غير الآبهة بالمستقبل، الى سياسات مصممة بعناية، تقوم بالتطبيع مع الداخل والخارج وتخفيف سوء الفهم القاتل. وستكون وحدة الشيعة بهذا المعنى، بلورة لموقف وطني يطالب به عقلاء باقي الاطراف.

ليت كل هذه الكتل الشيعية تجتمع لتخرج بموقف اعتدال عام سنرحب به جميعا. لكن هذه الفرضية هي التي تنقلنا الى السؤال الثاني: هل يمكن توحيد الشيعة على برنامج إصلاح، يحظى بدعمنا جميعا، علمانيين وإسلاميين، من كل الأطراف؟

وهذا السؤال يقودنا مباشرة الى سياسات نوري المالكي التي اغضبت شركاءه الشيعة قبل غيرهم. ولذلك شهدنا اهم انقسام سياسي في مرحلة ما بعد صدام حسين، حين رفضت معظم الأحزاب الشيعية دعم نهج المالكي، ومغامراته، ولم تخضع لضغط ايران المتكرر بهذا الشأن طيلة اربع سنوات، ولهذه المعارضة يعود تصويت نحو نصف الناخبين الشيعة ضد سياسات المالكي، بما يعني أن التكتلات التي يتزعمها الحكيم والصدر حصلت على دعم الجمهور لأنها لم تدعم خيارات الاحتراب والتأزيم، وظلت تؤمن بجدوى السياسة والتفاوض وتدعو اليهما، وتؤيد برنامج الاصلاح السياسي الموقع في 2010 والمتلكئ بسبب انقلاب المالكي على العملية السياسية، وشعوره بان انسحاب الجيش الاميركي كان نهاية لحقبة التسويات، وبداية ل"انتصار الدبابات" لصالحه شخصيا.

على هذا الاساس لن يمكن توحيد الاحزاب الشيعية، بسبب اصرار المالكي، لا على صحة نهجه وحسب، بل على تبديد التنوع والتعدد السياسي في البلاد، ورفض اي نوع من انواع الشراكة، اعتزازا ب"حكمته الفريدة ونظرته السديدة"، التي لم تحسن البطش والقوة، ولم تحتفظ بالتسويات والاتفاقات.

إن عجز الشيعة عن صناعة موقف موحد ينتهي بالتهدئة، امر مؤسف ولا شك، لكن واحدا من الاشياء التي تمتحنا الامل بامكانية اصلاح هذا النظام السياسي، هو قدرة جزء من الساسة الشيعة (وشجاعتهم) على بناء تفاهم عابر للطائفة، ينطوي على مسؤولية تاريخية للشيعة كعنصر اساسي في الحركة الوطنية العراقية، واخراجهم النزاع في بلادنا من كونه طائفيا، الى تعارض وتنافس على اساس اختلاف حول فلسفة ادارة الدولة، ومفهوم الحكم المناسب للعراقيين.

التفاهمات هذه والتي لم تسعد بعض رجال طهران ولا المالكي، كانت مفيدة طيلة العامين الماضيين، في صناعة مواقف احتجاجية مهمة، وتمرير تشريعات حاسمة بعضها نقضها المحمود عبر المحكمة الاتحادية، لكنه سيظل ارضية اصلاح تشريعي سرعان مانعود اليها.

منذ تلك اللحظة التي انقسم فيها الشيعة كجزء من الانقسام الوطني حول نهج الحاكم، ادركت طهران ان العراق ليس ضاحية جنوب بيروت يمكن التحكم بها الى الابد، وكل العراقيين الذين يحرصون على علاقة طيبة بلإيران كجار كبير وتاريخي، يدعون طهران إلى تفهم هذه الحقيقة، كجزء من تصحيح ضروري لعلاقاتنا مع كل المحيط الجغرافي.

سرمد الطائي

كاتب عراقي