العراق: صراع الامبراطوريات

بقلم: حيدر قاسم الحجامي

قبل ايام دار نقاش مع كاتب مثقف حول التدخلات الخارجية في الشأن العراقي وخصوصاً بعد ما أثارتهُ زيارة اوغلو وزير الخارجية التركي الى كركوك، طرح صديقي الكاتب رأي لصاحب كتاب "اربعة قرون من تاريخ العراق" ستيفن همسلي لونكريك يبدي فيه هذا الكاتب اندهاشه واستغرابه من عدم تحرر من العراق من ربقة الاحتلال العثماني منذُ العام 1800ميلادي بالرغم من ان 60% من مدنه وقصباته كانت خارج سيطرة الاحتلال العثماني، وكذلك فأن العراق بعيد عن الاستانة مركز الحكم العثماني، اضافة الى شيوع مظاهر الفساد والرشوة بين حكام هذا البلد حتى ان كان العراق يعتبر موقع لمعاقبة الولاة المغضوب عليهم من الباب العالي.

يستغرب صاحب "اربعة قرون من تاريخ العراق" من صبر العراقيين وعدم قيامهم بحركة تحريرية شاملة من السيطرة العثمانية الغاشمة. وانا اسأل ماذا لو لم يحتل البريطانيون العراق؟ ترى كم يمكن ان يبقى العراق تحت سيطرة تركيا؟

طبعاً يمكن ان يبقى حتى قيام اتاتورك بانقلابه الشهير، لان العراق بصراحة لم يكن فيه شعب يشترك بمستوى واحد من المصالح ولم تكن الروابط الاجتماعية تفضي بأي اتجاه الى تشكيل امة عراقية ذات هوية جامعة. فالهويات الجامعة يمكن ان تنشأ نتيجة لتشابك علاقات او ارتباطات ايدلوجية عميقة، والعراق كانت فيه ولا تزال الايدلوجية الدينية أحدى اهم اسباب تشظيه الاجتماعي. فالسنة كانوا فيه داعمين للحكم العثماني السني وهم ممثلون بمستويات في سلطة الباب العالي، فيما كان الشيعة من وجهة نظر الباب العالي مجرد رعايا للإمبراطورية الفارسية، ولذا كانت السلطات العثمانية تمارس عليهم صنوف التمييز والاضطهاد. ويمكن ملاحظة ذلك ايضاً بعد الاحتلال البريطاني، ففي عشرينات القرن الماضي وقف محمد النجيفي وهو زعامة سنية معروفة من الموصل ضد ضم الموصل للعراق الدولة الناشئة ودعم انضمامها الى تركيا في قضية التحكيم الشهيرة التي انتهت بضم الموصل للعراق، فيما نرى ان المشروع التركي الجديد في العراق ينفذه امتداد هذه الزعامات السنية.

اضف الى عامل التنوع القومي في العراق كان عاملا أخر من عوامل ضعفه وانقسامه، فالعرب والكرد وغيرها من القوميات العرقية لم تتجاوز اطرها القومية للانفتاح على القوميات المشتركة معها في الوطن، نتيجة عقدة الخوف من الاضطهاد القومي .ويمكن الاستشهاد بموقف الكرد في السليمانية من قضية الانضمام الى العراق او الى تركيا حين رفضت هذه المدينة ترجيح كفة اي طرف. واليوم يسير المشروع الكردي بشكل واضح باتجاه اضعاف المكون العربي وتهديم سلطته الناشئة خوفاً من عودة الاضطهاد القومي الذي مارسته التيارات القومية الطائفية في العراق بعد انقلاب تموز 1958 ضد الكرد.

فيما لا يبدي الكثير من القيادات الشيعية أي نزوع باتجاه بناء شراكة استراتيجية مع المكونات المشكلة للعراق، لانهم لا زالوا خاضعين بشكل كبير للتأثيرات الايرانية، ولم يتجاوزا اطارهم الديني التاريخي وعقدة الاقصاء التاريخية، الى بناء الهوية الوطنية العراقية القائمة على انهم جزء من هذه البلاد ومصالحهم مرتبطة بالمكونات الأخرى.

وهنا لست في موضوع الاتهام لكل الاطراف العراقية ولكنني اقول ان كل رود الافعال هذه والمواقف نابعة من ماض قاس يحتفظ كل طرف من الاطراف بسلسلة من النكبات والمواقف المؤلمة.

ولذا فأن ما يجري على الساحة العراقية ما هي الا انعكاسات تاريخية بطريقة أكثر بدائية وهمجية لهذه النكبات التاريخية.

ولذا فأن عودة الاستقطاب التركي – الايراني في العراق، ليس استقطاباً محدثاً، بل هو استقطاب اصيل غاب او أجبر على الغياب عن الساحة العراقية في زمن مضى، نظراً لانشغال تركيا بأوضاعها الداخلية والصراع الدموي مع أيران، ولكن ما ان دب الضعف والهشاشة في الجسد العراقي، حتى عادت كلتا الامبراطوريتان الى حلمها التاريخي، في الصراع على العراق البلد الذي يمثل ساحة مثلى للسيطرة على المنطقة برمتها، وبدأت المشاريع الإقليمية تعمل على ايجاد مناطق نفوذ وايجاد تحالفات فئوية، وهذا ما سبب كل ازمات العملية السياسية التي بدأت كل اطرافها واعدائها بنعتها بأوصاف اكثرها رحمةً، هي تلك تصفها بالعليلة.

ولعلنا لا نبالغ ابداً في ان نقول ما وصلت اليه العملية السياسية اليوم، لا يبشر بخير ابداً، بل على جميع اطرافها التوقف عن عملية الهروب بالمشاكل الى الامام والجلوس لمناقشة اسباب فشل هذه العملية في الوصول الى اتفاقات عليا على الاقل بين الاطراف المشتركة، فما معنى ان لا نلمس اي اتفاق بين الاطراف السياسية المشتركة، حتى في قضايا لا تقبل اي مساومة او اختلاف كالدم العراقي والسيادة الوطنية والعلاقات الخارجية للعراق.

هل يمكن ان نسمي اطراف تختلف على تدخل خارجي علني وصريح في العراق وتختلف على الدم المسفوح بشكل يومي، وتختلف على مصالح البلاد العليا وتفرط بها مناكفةً او عمالةً بشكل صريح، هل يمكن ان نسمي هذه الاطراف السياسية بالشركاء في العملية السياسية؟

ولعلي اختم بالتساؤل الآتي: ماذا لو يعطي اوباما وعداً انتخابياً لناخبيه بسحب قواته من العراق، هل يمكن ان تتفق هذه الاطراف على تحرير البلاد واخراج القوات الاجنبية منه، ام ستنتظر البلاد 120 سنة أخرى، لتحريرها باحتلال أخر؟

حيدر قاسم الحجامي

كاتب وصحفي عراقي