العراق.... صدمات حكومة العبادي

حشد طائفي قوة لداعش

تعليق اتحاد القوى حضوره في مجلس النواب وتضامن كتلة اياد علاوي معه، يعلن اننا امام واحدة من اصعب اللحظات السياسية، منذ تشكيل حكومة العبادي مطلع الخريف الماضي. وقد بدأت الصعوبة بما يكتنفها من غموض، في جلسة الحكومة قبل الاخيرة، وكذلك حين ارتبك البرلمان واعاد قانوني الحرس الوطني والاجتثاث الى مجلس الوزراء، وصرنا امام تحقيق نيابي يتحدث عن حصول استبدال لمسودات القوانين، ونقص في اختام شورى الدولة، وتفاصيل اضافية.

اغتيال الوجيه الجنابي البارز وسبعة اخرين من مرافقي ابن اخيه النائب الذي تعرض للخطف والضرب ثم اطلق سراحه، جاء ليفجر ما كان واضحا منذ الجلسة قبل الاخيرة للحكومة. والسبب ان زورق الحكومة جرى تحميله بعبء اثقل من "طاقته التصميمية". واذا استمر الحال هكذا فلا ضمان من تمزق الاشرعة وسط تيار جارف.

ائتلاف السلطة وكابينته الوزارية، ينوء بعبء تنفيذي مهول، وكلنا سعداء بالمهارات الشخصية لقياديين في الحكومة، استطاعوا اشاعة جو ايجابي مفيد ومقنع لتخفيف التوتر. لكنهم لم يتمكنوا من الذهاب ابعد من ذلك. واقصى ما يتاح حاليا هو تقديم ما تبقى من هذا المناخ الايجابي، لزعماء المكونات كي يلتقوا وجها لوجه، ويقيسوا معا المطلوب فعله، على امتداد مقابر تتسع وموت يلف احلى شبابنا من كل الاطراف.

ان تعديلات الاجتثاث والاعتراف بقوة دفاع ذاتي للمحافظات السنية قد يتجاوز عددها ٥٠ الف مقاتل كدفعة اولى، ليست مجرد تشريعات عادية يوكل لفريق العبادي بلورتها وارسالها للبرلمان. ذلك ان هذه القوانين اعتراف تاريخي بواقع اداري وسياسي جديد وصادم وغير عادي، يراد له ان يصوغ مستقبل سنة العراق داخل الاتحاد الفدرالي المهدد هذا. ومثل هذا الاعتراف سيواجه ارتباكا جماعيا، كأمر طبيعي تتعرض له الشعوب وهي تخوض المفاجأة وتريد اصلاح علاقاتها وهي تنزف في خنادق متقاطعة. ولا احد سيمتص عنصر المفاجأة والصدمة سوى لقاء يجمع زعماء المكونات، وذوي الثقل الحقيقي، القادرين على اقناع الجمهور بمبررات الحلول القاسية.

وكمثال فقد نجحت حكومة العبادي في امتصاص "صدمة" الاتفاق النفطي مع اربيل، بجهد ماهر، وواجهت تشويشا رهيبا من متشددين في التحالف الوطني. لكنها لم تستطع التعامل مع التسوية المفترضة مع اتحاد القوى، بدرجة المهارة ذاتها. ومن العبث ان نبقى نورط الحكومة بعبء لا تقوى عليه، اذا لم تحظ باسناد مباشر، وشرعية تفاوض، من ممثلي الطوائف الاساسيين.

ان السبيل الوحيد اليوم لانتاج تسوية عراقية تنتج ضمانات لسنة العراق، هو العودة الى قاعدة عمل 2012 التي اخذت السيد مقتدى الصدر الى اربيل، وجاءت بالقادة الاكراد والسنة الى النجف، وانتجت كتلة نيابية في ملف سحب الثقة يومذاك، صارت بعد التحاق عمار الحكيم بها، قادرة على تمرير تشريعات وصناعة جبهة سياسية تحرر الرأي العام من سلطة نوري المالكي ومزايداته.

وكمراقب، يمكنني القول بان اي تسوية بين الشيعة والسنة لن تتم الا باستعادة اجواء العمل المشترك تلك بين قادة الصف الاول، وان تتفرغ قليلا لهذا الغرض، القيادة الكردية المنشغلة جدا في الخنادق الامامية للمعركة مع داعش، فتصفية الاجواء بين العرب انفسهم مدخل لا غنى عنه لتطويق خطر الارهاب.

نجح فريق العبادي في صناعة مناخ مليء بالايجابية، لكن "صمت" زعماء المكونات يمكن ان يبدد هذا المناخ، ويمزق شراع الزورق الفتي. واذا لم تحصل لقاءات قمة بجدول اعمال معد بعناية، فان امزجة العامل الاقليمي والدولي ستظل تتحكم بالبنادق والحناجر والمذابح، حول مرتفعات حمرين، وقرب نواعير حوض الفرات، فامتصاص "الصدمة والمفاجأة" في وقائع السياسة الجديدة وخرائطها، امر لن تفي باستحقاقاته مجرد اجتماعات للحكومة

سرمد الطائي

كاتب عراقي