العراق سيد نفسه، وعاشت الحرية

بعد أن ظل بول بريمر عشر سنوات يباهي بديمقراطية الدولة التي بناها في العراق وائتمن على تقرير مصيرها لأحزاب الدينية الموالية لإيران يعترف في مقابلة أخيرة مع سي إن إن بأنها دولة فاشلة، وطالب الرئيس الأميركي باراك أوباما بإرسال قوات أميركية إلى العراق للتعامل مع مستجدات الوضع هناك، قائلا: "علينا وضع قوات خاصة، ومراقبين استخباراتيين، وضباط لتحديد الهجمات، وأشخاص لتحديد الأهداف داخل تلك المدن لتقصفها الطائرات بدون طيار." وعندما سألته المذيعة: "بعد خسارة 4490 أميركي و1.7 ترليون دولار في العراق، كيف يمكن الدعوة لتعريض المزيد من الأرواح لخطر محتمل هناك؟"، رد بريمر: "لأنها مصالحنا."

يوم الأثنين 24 حزيران/ يونيو 2004 نقل بريمر إلى الدكتور أياد علاوي صك "السيادة الوطنية"، وقال له: "بلادك بين يديك الآن، فاعتنِ بها جيدا". وبعد دقائق بشر كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأميركي بالخبر السعيد، فكتبت على ورقة صغيرة "العراق اليوم أصبح سيد نفسه" وسلمتها لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد الجالس خلف الرئيس بوش مباشرة في اجتماع قادة حلف الناتو في أنقرة، فمررها الى الرئيس الذي عرضها بدوره على رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الجالس الى جواره بعد أن كتب في أسفلها عبارة 'تعيش الحرية'.

وقبل مغادرته بغداد زار بريمر رئيس الوزراء د. أياد علاوي في مكتبه مودعا، فألقى كلمة قصيرة على جمع من كبار قادة العراق الديمقراطي الجديد، غازي الياور، أياد علاوي، برهم صالح، مدحت المحمود، موفق الربيعي، وبراهيم الجعفري، وأحمد الجلبي، فوصف بغداد يوم وصوله أول مرة فقال: "كانت بغداد تحت النيران فعلا عندما خرجت من المطار. لم تكن هناك إشارات مرور في الشوارع، ولم تكن هناك كهرباء في أي مكان، ولا إنتاج نفط، ولا نشاط اقتصادي، ولم يكن هناك شرطي واحد في الواجب في أي مكان". ثم استعرض إنجازاته قائلا: "100 ألف شرطي عادوا الى الخدمة، وتدفقت الكهرباء، وفي بعض الأيام إلى أعلى المستويات التي عرفها العراق، وعاد انتاج النفط الى مستويات ما قبل الحرب، وانخفض مستوى البطالة الى ما يقرب من 20 في المائة"!

وعلى مدى عشر سنوات كاملة ظل يردد، في جميع لقاءاته مع بوش ومساعديه، وفي المقابلات التي أجريت معه، أن "المشروع الأميركي في العراق تجاوز المصاعب، وأدى إلى إقامة عراق ديمقراطي مستقر".

حين كلفه الرئيس الأميركي بالتوجه لقيادة قوات التحالف الدولي في العراق لم يكن لديه أدنى شك في أنه ذاهب إلى صحراء قاحلة خالية من الرجال ومن النساء أيضا، وإلى قطعة أرض مليئة بالأفاعي والعقارب التي تسرح وتمرح في كثبان رمالها المتنقلة. حتى أنه حين هبط من الطائرة تبعه مرافقوه بشحنة ضخمة من قناني مياه الشرب الأميركية الأكثر نقاء وأمنا من مياه العراقيين.

لم يكن يعرف سياسيين صالحين لوراثة ديكتاتورية صدام حسين سوى أحمد الجلبي وأياد علاوي ومحمد بحر العلوم وعبدالعزيز الحكيم وموفق الربيعي وابراهيم الجعفري وجلال الطالباني ومسعود البرزاني وغازي الياور وعدنان الباجه جي.

جاء العراق وهو يعتقد بأن سكان العراق شعوب وقبائل متحاربة متطاحنة لا سلام بين أهلها ولا أمان. وأن هذا العراق قطعة قماش طيعة يمكن أن يطلق فيها مقصه الذهبي الصقيل فيقطع منها خرقة يرميها لشيعته، وخرقة لكورده، وخرقة لسنته، وتنتهي المشكلة.

كان يعتقد بأنه يعرف العراق أكثر مما يعرفه أهله العراقيون، ولتأمين الدولة الجديدة من جميع المخاطر والجراثيم ينبغي لها أن تكون مقطوعة الصلة، نهائيا وتماما، بماضيها الطويل. لم يحدثه أحد عن حقيقة العلاقات المتشابكة بين مكوناتها المختلفة، والتي لا فكاك لها، ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وأسريا ومزاجيا أيضا.

ثم ازداد اقتناعا بما ثقفه به الشطار السبعة الكبار حين أوهموه بأن العراقيين ثلاثة دول، لا يجمع بينها جامع، شيعية وسنية وكردية، وأن الطائفة الشيعة، جميعَها، ضحية صدام حسين، فلم يكن من أبنائها أحد مع الديكتاتور، لا ضابط ولا جندي ولا قيادي في الحزب القائد. وأن الأكراد، جميعَهم أيضا ودون استثناء، مناضلون ضد ديكتاتورية صدام، ومقاتلون في سبيل الحرية والديمقراطية، وليس بينهم كردي واحد قاتلَ أهلـَه الأكراد في جيوش صدام، وأذاقهم مر العذاب. وأن جميع السنة جنودٌ لصدام وجواسيس لمخابراته وأعضاء في حرسه وفدائييه، وليس بينهم ولو سني واحد شريف قال يوما "لا" لديكتاتوريته الفاجرة، وقاتل نظامه بشهامة وشجاعة، فراح شهيدا أو مُغيبا أو هاربا في بقاع الله الواسعة.

وبريمر هذا هو الذي أرسى دعائم المحاصصة الطائفية والعنصرية والمناطقية، وداس على الكفاءة والخبرة والنزاهة. بعبارة أوضح. إنه هو الذي زرع في الجسم العراقي والمنطقة أشجار الجحيم التي ينعم العراقيون بثمارها هذه الأيام.

كتب في صحيفة (واشنطن بوست) في 24/10/2011 يقول:

"عندما أخبرنا رئيس محطة المخابرات المركزية يوم 13 ديسمبر/كانون الأول عام 2003 بأن قواتنا أسرت صدام حسين علمت بأننا حققنا خطوة مهمة".

"ففي غضون أسبوعين، تلقيت أنا وموظفي مكتبي، بشكل مباشر، وكذلك من خلال قنوات الأمم المتحدة، إشارات إلى رغبة بعض أفراد المقاومة في وقف تمردهم".

"في ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة تفتقر إلى استراتيجية مناسبة وقوات كافية لكي تواجه هذه التحديات بفاعلية".

"وهو الوضع الذي تم تصحيحه في نهاية المطاف من خلال زيادة الرئيس الأميركي جورج بوش الشجاعة لأعداد القوات في عام 2007".

"يجب وضع نظام سياسي جديد بسرعة. وهذا لا يتطلب نزع سلاح جميع المقاتلين فقط، بل خطة لوضع إطار عمل سياسي يمكن من خلالها بناء شكل حكومي".

"وقد حصل العراقيون على هذا المطلب سريعا. ففي الأول من مارس (آذار) 2004، أي أقل من عام بعد تحرير بغداد، وافق العراقيون على دستور عصري، كان أكثرَها تقدما في منطقة الشرق الأوسط، حيث يوفر حقوق الإنسان الأساسية، بما في ذلك حقوق المرأة، وحرية المعتقد وحرية الصحافة والحريات الأخرى الكثيرة."

ليس بريمر وحده الذي ظل يمتدح الديمقراطية في العراق الجديد، بل كان رامسفيلد وزير الدفاع وكونداليزا رايس وزيرة الخارجية ومساعدوهما أكثر ترويجا لما كان بريمر يرسله إليهم من تقارير حول نجاحه في أخراج العراق من جحيم ديكتاتورية صدام إلى جنة العصر الحديث. وهيلاري كلنتون، عندما كانت وزيرة خارجية أميركا، تحدثت مرارا عن ديمقراطية العراق الجديد. ففي كلمتها في مؤتمر الاستثمار الذي أقامه نوري المالكي في واشنطن 22/10/2009 قالت "إن من دواعي اغتباطي أن أرحب بعودة رئيس الوزراء إلى واشنطن للاستمرار في بناء وتعميق الشراكة بين بلدينا، وهي شراكة قائمة على وجود عراق ذي سيادة مستقر معتمد على نفسه".

وفي خطابه في جامعة القاهرة قال الرئيس الأميركي باراك أوباما:

"في العراق، نحن نرى تباشير ديمقراطية متعددة الأعراق والطوائف. لقد رفض العراقيون ويلات العنف السياسي لصالح العملية الديمقراطية، حتى في تحملهم كامل المسؤولية عن أمنهم. وبالطبع سوف يتعرضون لنكسات شأنُهم شأن ُ كل الديمقراطيات الجديدة. لكن العراق يتهيأ للعب دور رئيسي في المنطقة، إذا ما استمر في تقدمه السلمي. وإذ يقومون بذلك فإننا سوف نفخر بالوقوف بجانبهم كشريك صامد".

وهاهو العراق، بعد عشر سنين من تاريخ نقل السيادة من بريمر إلى أياد علاوي، دليل فاقع على الحرية والديمقراطية والأمن والرخاء. أما من ينكر ذلك فحاقد ومن من أيتام صدام حسين وداعشي لئيم.

ولتصبح المسيرة وإعادة الأمن والاستقرار والرخاء إلى العراق يريد بريمر أن يعجل الرئيس أوباما بقوات أميركية جديدة. حسنا، ألا تكفي كتائب الحرس الثوري الإيراني ومليشيات العصائب وأبي فضل العباس وبدر والجيش الرديف القادمة لحماية العتبات، كما فعلت في سوريا في ثلاث سنوات؟