العراق: ديمقراطية فوق صفيح ساخن

لن نخوض في خلاف شخصي..ولا نريد ترجيح كفة على أخرى..فنحن اليوم إزاء أزمة من نوع آخر قد تطيح بما تبقى من تجربتنا الديمقراطية الفتية، وتعيدنا بقوة الى النظام الشمولي.

نعم بالتأكيد هناك هيئات مستقلة لم تعد كذلك، وهناك دستور اصبح مسيراً، تبعاً لتفسيرات من يمتلك زمام الأمر، وبرلمان لا يراقب ولا يحاسب، فهو منزوع الإرادة، وقراراته تخضع للنقض، حتى في قضايا الاستدعاء والمحاسبة، وبصيغة "أنزك" الاستماع والاستضافة.

لكن هناك بقية من صيغ ديمقراطية، تمنينا ان تنمو وتكبر، غير انها على العكس من ذلك اعتراها الضمور والتلاشي.

ويأتي خطاب رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي بمثابة المسمار الاخير في نعش الديمقراطية، بعد 12 سنة من ولادتها المشوهة، لتكون أنموذجا يحتذى به في المنطقة كما كانت التجربة الأولى في عشرينات القرن الماضي، لكن مع الفارق ان الزمن المقارب الذي بنى فيه فيصل الأول دولته، يختلف تماما عن البناة الجدد في 2003، برغم تشابه التجربتين، كونهما كانتا قد ولدتا من رحم الاحتلال.

لقد حسم دولة الرئيس فكرة السلطات بكلمة واحدة: "انا المسؤول التنفيذي الأول"، وهو كذلك فعلا، ولا ينافسه عليه احد، لكن مثلما تعطيه هذه المسؤولية حق اتخاذ القرارات وتحريك قطعات الجيش، فإنها أيضا تمنح للآخر حق محاسبته على كل اخفاق، سواء في الأمن، او الصحة، او العمل، او السكن، او الفقر، او الاعمار ..وقائمة طويلة من المعاناة.

وبالتأكيد، فكل بريء يقبع في السجن، هو مسؤول عنه، وكل مواطن يقتل هو مسؤول عنه، وكل جائع هو مسؤول عنه، وكل متشرد هو مسؤول عنه، وكل مريض لا يملك اجرة علاجه ولا تتوفر لديه فرصة العلاج من مرضه في الداخل قبل الخارج هو مسؤول عنه، وكل معدم لا يملك قوت يومه ولا يعيش تحت سقف يؤويه، هو مسؤول عنه.

المسؤولية كبيرة، لكنها ليست مجرد سلطة لإصدار الأوامر، ومعاقبة الناس، بل هي تصل احيانا الى مساءلة المسؤول عن غرق الشوارع بسبب الامطار، وطفح المجاري، وتوقف ماكنة العمل، واغلاق الطرقات، وحوادث المرور.

ثم يعقب ذلك بالاخطر منه، عندما يفسر هذه "المسؤولية" بحق التجاوز على السلطة التشريعية، فيمنح لسلطته قوة القانون في اتخاذ القرارات والتصرف، بعيدا عن البرلمان، خاصة في ما يتعلق بالموازنة الحالية التي تواجه مشكلة لا يتحملها مجلس النواب وحده، وانما يقع العبء الاكبر على مجلس الوزراء الذي تأخر في ارسالها الى مجلس النواب اكثر من ستة اشهر، ثم لما وصلت الى البرلمان وصلت محملة بالنواقص والمشاكل.

لقد كشف المالكي خطوته التالية: "ان مجلس الوزراء قرر المضي بصرف الاموال سواء اقرت الموازنة ام لم تقر" وهذا يعني ان الحكومة اتخذت طريقها وحدها، كما اتخذته من قبل في اعلان الحروب، وتعيين القادة، وملاحقة من تشاء من الساسة واصحاب الحصانة.

وهذا الطرح، يجعلنا امام مفترق طرق مع تجربتنا الديمقراطية في عهد دولة القانون، بعد ان يمسك بكل السلطات بيده، كما كانت قبل 2003، ويصبح وجود هذه السلطات من عدمه سيان.

القضية لها مقدمات، فقد سبق ان جرد مجلس النواب من مسؤولياته الدستورية، وعطل دوره الرقابي، لكن الخطاب الأخير حسم الأمر علناً، تحت مسوغ الحرص على المصلحة العامة.

هنا نقف قليلا، لنتساءل: لقد اقرت موازنة عام 2003، وقبلها ست موازنات، فما الذي تحقق من مصالح يا ترى؟

كانت الحكومة تبرم العقود بمقتضى تلك الموازنات خاصة العسكرية منها، وكانت النفقات العامة والخاصة متواصلة بلا انقطاع، من دون ان تتحقق أية مصلحة عامة، فماذا عدا مما بدا؟

لا شك ان احتداد المشهد السياسي مع اقتراب الانتخابات ومحاولات التسقيط وليس المنافسة بين اطراف العملية السياسية، كلها عوامل ضغط تدفع باتجاهات التصعيد، لكن لا ينبغي ان تصل الى حد تعطيل الدستور واعلان حالة الطورائ.

صحيح، انه لم يعلن ذلك، لكن بوادر خطابه تؤكد اننا ماضون نحو النظام الشمولي، لكن هذه المرة بلبوس ديمقراطي!