العراق دولة السجون والمعتقلات السرية !

بقلم: جمال محمد تقي

تتكاثر السجون ومراكز الاعتقال شمال ووسط وجنوب العراق، وبشكل عشوائي، منذ ما بعد غزو العراق واحتلاله وحتى الان. فعلاوة على امتلاء السجون التي كانت قائمة اصلا اقيمت عشرات السجون والمعتقلات السرية. ومع تزايد وتيرة نقل الاف المعتقلين من السجون والمعتقلات المعروفة والقابلة للتفتيش الى المعتقلات السرية البديلة، خاصة بعد شروع القوات الاميركية بتسليم مالديها من معتقلين، نتيجة بدء عمليات انسحابها من العراق، واناطتها الولاية لما يفترض بهم، انهم ممثلو السلطات العراقية الوطنية ذات السيادة الديمقراطية الكاملة على اراضيها، تتزايد فرص اقامة المزيد من السجون والمعتقلات العشوائية والسرية في ظل ولاية الحكومات الطائفية والعنصرية والمناطقية التي لا تجد وسيلة لاستمرارها في الحكم الا في سياسة كتم الانفاس وارهاب وتعذيب وتصفية المعارضين والمقاومين الذين يتكاثرون يوما بعد يوم !
هناك ما يقارب من 20 سجنا معروفا ومسجلا ومستعملا منذ ما قبل الاحتلال وبعده، وهي موزعة اصلا بحسب الحاجة الديمغرافية والادارية لمصلحة السجون المنحلة، والتي كانت خاضعة نظريا على اقل تقدير لاشراف وزارة العدل والتابعة عمليا لوزارة الداخلية، بعد احتلال العراق استخدمت اغلبها من قبل المحتلين لاعتقال كل من يشك به من انصار المقاومة او من عناصر الجيش العراقي السابق، كما حصل تماما في سجون ابو غريب والداخلية وسجن بغداد المركزي وسجن الامن العامة وبوكا والحلة وكوبر والكاظمية والكوت ومعتقل المطار. ولم تكن مناطق اقليم كردستان شاذة عن تلك القاعدة، فادارات سجون رايات وزاويتة واربيل ودهوك اضافة للمعتقلات الاقل سعة كانت عونا للمحتلين في المساعدة على استضافة من لا مكان له في سجون بغداد والبصرة والموصل، علاوة على ان قوات الاسايش ذاتها مدعومة من قبل ميليشيات البيشمركة كانت ولاسباب ذاتية تقوم بعمليات خاصة لاعتقال من تعتقد انه يشكل خطرا على مشروعها لضم ما يسمى بالاراضي المتنازع عليها لسيطرة اقليم كردستان، فكانت تصول وتجول في كركوك والموصل وديالى وحتى صلاح الدين لتنفيذ مهمات الاعتقال غير الشرعية، وخاصة في السنوات الاولى من عمر الاحتلال، علاوة على انها لا تبخل في اعتقال كل معارض كردي لنهجها من اهالي المناطق الواقعة تحت سيطرتها.
يقدر عدد السجون والمعتقلات السرية في العراق، كل العراق، بحوالي 50 سجنا ومعتقلا، منها 10 في اقليم كردستان، و25 في بغداد، والباقي موزعة تصاعديا على محافظات الرمادي والديوانية والكوت وبابل والناصرية وميسان والبصرة، اما المعدل الاستيعابي لكل منها فهو مطاط وبحسب الحاجة اي يمكن ان يحشروا 50 سجينا بقاعة تتجاوز مساحتها الستة امتار مربعة وهكذا، لكن المعدل العام فهو ينحصر بين الالف سجين الى حوالي المئة في السجن الواحد او المعتقل الواحد، وهي على شاكلة معتقل مطار المثنى السري، واقبية مباني الجادرية التابعة لوزارة الداخلية التي انكشف امرها في فترة استيزار بيان جبر صولاغ لوزارة الداخلية. وكل هذه المعتقلات والسجون اما تابعة مباشرة لاحزاب في السلطة او ميليشياتها او انها تابعة لوزارات هذه الاحزاب، فبعض معسكرات وزارة الدفاع حاليا مثلا، وبعض المباني التابعة لمكاتب مجلس الوزراء الحالي، تستخدم كمعتقلات مؤقتة، يصعب اكتشافها، وعندما يشك بها يجري نقل النزلاء الى اماكن بديلة ونائية وغير معروفة وما اكثرها في العراق اليوم !
بحسب تصريحات وزارة حقوق الانسان في العراق، فان عدد نزلاء السجون والمعتقلات العراقية لا يتجاوز الرقم 27 الفا، وبحسب وزير العدل العراقي السيد دارا نور الدين فان عدد السجناء والموقوفين المسجلين في سجلات الوزارة لا يتجاوز ال 25 الفا، وبحسب تقارير منظمة العفو الدولية فان عدد السجناء والموقوفين في السجون والمعتقلات العراقية يبلغ حوالي 30 الفا، وجميع هذه الاعلانات لا تنفي صحة وجود معتقلين ومسجونين في سجون سرية وهؤلاء بطبيعة الحال غير مسجلين في اي من السجلات الرسمية، لانهم يعتقلون من دون اوامر قضائية ومن دون محاكمات ويتعرضون لشتى اصناف التعذيب البربري الذي يفوق ما يتعرض له نزلاء السجون العلنية، واغلبهم يموت تحت التعذب او يعدم ومن دون حكم قضائي !
الادلة على وجود هكذا سجون ومعتقلات سرية كثيرة منها : افتضاح امر اعداد منها وخاصة في بغداد، ووجود الاف من المعتقلين الذين ليسوا بمسجلين باي من المعتقلات العلنية، والتناقضات الواضحة في الارقام الرسمية الصادرة من اكثر من مصدر مع الارقام الصادرة عن اطراف محايدة.
علما ان هذه الاعداد محصورة ياصحاب تهم الارهاب ومقاومة السلطات فقط، اي ليس من ضمنها اعداد السجناء العاديين المتهمين بالجرائم التقليدية.
هناك سجون جديدة في طور الانشاء واغلبها من طراز سجن نقرة السلمان النائي والعلني، حيث ستكون جاهزة لاستقبال نزلاء الاحكام الثقيلة، وطبعا ستكون الانشاءات الخاصة بها محسوبة على خطة اعادة اعمار العراق التي لا اعمار فيها الا للسجون ولزيادة تحصينات المنطقة الخضراء، ودور وقصور الطبقة السياسية الجديدة، وربما يعاد تأهيل سجن نقرة السلمان نفسه بمقاولة في الباطن تقدم مبنى السجن على انه انشاء جديد يتربح من وراءه المقاول والسياسي صاحب المشروع ! جمال محمد تقي