العراق: دماء تتدفق من الأرض حتى السماء

بقلم: د. عبدالهادي التميمي

لم يبتكر عنوان المقال الكاتب أو أحد "أزلام/أيتام" صدام أو "التكفيريون" أو "الارهابيون"، وهي أوصاف يطلقها "عملاء" عادوا إلى العراق على متن دبابات أمريكية بريطانية على المقاومين والمعارضين للاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، مع التسليم بوجود ارهابيين ناشطين في العراق. انه وصف أطلقه المفكر الأمريكي خوان كول، بروفيسور التأريخ في جامعة ميشيغان الأمريكية قائلا انها العبارة الاستعارية الوحيدة التي تعبر عن حالة العراق الآن رغم جميع المحاولات الرسمية والاعلامية التي تبذلها باستماتة وإصرار كبيرين الحكومتان الأمريكية والبريطانية والمسؤولون فيهما، و"عملاؤهم" المحليون، في رسم صورة مشرقة جذابة، البعض يصفها "كذابة"، لتبرير غزو العراق واحتلاله "وتدميره وقتل الآلاف من ابناء شعبه وتحطيم البنى والهياكل الاجتماعية والعرقية والطائفية والدينية" وادخاله في حرب أهلية غير رسمية ولكنها واسعة النطاق ومتشعبة الجهات والمصادر.
لا يتطلب الامر تحليلا لوقائع ومقارنة سياسات والبحث في استراتيجيات لاختبار ذلك الوضع الكارثي لأحوال العراق الذي أطلقه أحد مواطني الدولة المحتلة. وقد يفي الغرض عرض مواقف المحتلين وتقيمهم الحالي للاوضاع في العراق. ففي كل خبر قادم من العراق ومن منظمات حقوق الانسان والمنظمات الدولية هناك تأكيد وتذكير بتلك الحقيقة التي لخصها البروفيسور الأمريكي. وعلى موقع الامم المتحدة تقرير جديد من بعثة المنظمة الدولية في العراق تتحدث فيه عن أعمال القتل والتدمير التي يتعرض لها المدنيون العراقيون في مناطق عديدة ومن أصول وانتماءات، دينية وطائفية وعرقية، متنوعة. وأوضحت أن قوات أمن الحكومة الحالية من شرطة وميليشيا طائفية، وهو التعبير الذي يعني ميليشيا الاكراد البشمركة وفيلق بدر التابع لمجموعة عبدالعزيز الحكيم، متورطة في عمليات الخطف والقتل والترهيب.
لم تكد حادثة الكشف، قبل ثلاثة أشهر تقريبا، عن المعتقل السري الذي تديره قوات وزارة الداخلية، ووزيرها بيان صولاغ أحد قياديي حزب الحكيم، في الجادرية تتوارى في خضم المزيد من أعمال التفجير والعمليات المسلحة والقتل والاختطاف والتدمير المتواصل، حتى تم الكشف عن فرق موت تديرها أجهزة الداخلية والعثور على معتقل سري جديد تمارس فيه أبشع صنوف التعذيب. ويوميا يتم العثور على عشرات الجثث في أماكن مختلفة في العراق لمدنيين أعدموا بعد تعذيبهم، بل أن الجديد المرعب أن جثثا جديدة عثر عليها مقطوعة الرؤوس امعانا في الصدمة والبشاعة. القتلى عرب، من السنة والشيعة، والقتلة متنوعون وأصحاب أهداف وخطط استراتيجية محلية، الاكراد وذوو الاصول الفارسية، واقليمية، ايران واسرائيل، ودولية، الولايات المتحدة وبريطانيا. واللافت للنظر أن الاكراد في العراق هم الوحيدون الذين لا يتعرضون لانتهاكات ومذابح وينعمون بخيرات العراق وقادتهم السياسيون يحكمون العراق من خلال مناصب حساسة مثل رئيس الجمهورية ووزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء ورئيس الاركان.
وفي الولايات المتحدة تستمر دعوات تصحيح الاوضاع في العراق نتيجة لضغط داخلي ناجم عن خسائر مالية وبشرية وانكشاف "زيف" المزاعم التي ساقها مسؤولو الادارة الأمريكية لتبرير غزو العراق واحتلاله. اضطرت الادارة إلى الرضوخ لمطالب تشكيل لجنة في الكونغرس ولكنها اسندت إلى جيمس بيكر وزير الخارجية الاسبق في عهد الرئيس جورج بوش الاب ورئيس مجموعة البحوث والدراسات النفطية التي أوصت في عام 2002 بوجوب احتلال العراق لتأمين المستقبل النفطي والاقتصادي الأمريكي واستخدام واشنطن لسلاح النفط سياستها الخارجية كوسيلة ضغط، ترهيب وترغيب، وعلاقاتها مع الدول الاخرى مثل الصين والهند ودول الاتحاد الاوربي. وقد انيطت بلجنة الكونغرس المشتركة من الحزبين الجمهوري، حزب الرئيس بوش، والديمقراطي لدراسة السياسات الخاصة بالعراق ولكن دون التطرق إلى أسباب الغزو والاحتلال ومصداقيتها.
وفيما اعترف وزير الخارجية البريطاني جاك سترو، في حديث بصحيفة التايمز البريطانية، بارتكاب اخطاء في العراق ومنها حملة اجتثاث البعث وحل القوات المسلحة العراقية، أصر رئيس الوزراء البريطاني في تصريحات باستراليا على أنه غير نادم على قرار غزو العراق واحتلاله مؤكدا:" انها معركتنا التي يجب ان نحقق النصر فيها حتى وان كانت الاوضاع سيئة وصعبة فاننا ينبغي ان نصمد".
لا شك أن ترجمة موقف رئيس الوزراء البريطاني هذا تعني المزيد من نزيف الدم العراقي الذي سيبقى يتدفق من الارض حتى السماء كما يقول البروفيسور الأمريكي خوان كول. د. عبدالهادي التميمي