العراق: خوف وخداع للمالكي والصدر

العراق في ظل الإسلاميين بين مشرق ومغرب

لونان من خشية الوقوع في خديعة، يخطران على البال هذه اللحظة. الأول يتعلق بمقتدى الصدر والعلمانيين، والثاني مخاوف تكبر وتشي بأننا أمام أزمة هي الأكبر حتى الآن بمجرد فتح صناديق الاقتراع بعد ٢٠ يوماً. وتعزز هذه المخاوف تصريحات لعلاوي والكردستاني والصدريين والنجيفي. وعليكم ان تراقبوا بحذر تطورات هذا.

وبشأن الأول فان بعض أصحابنا العلمانيين الموالين للسيد نوري المالكي انزعجوا بشدة حين لاحظوا ان مواقف التيار الصدري بدأت تحظى بتقدير لدى الساسة العلمانيين في محور اربيل نجف وخارجه. المالكي الذي حاول لسنوات ان يغازل علمانيي العراق بالحديث عن تسامح ديني، وجد نفسه ملعونا من العلمانية خاصة بعد ان تناطح الطرفان في ساحة التحرير قبل سنتين. وبدل ان يصلح الامور راح يرتكب المزيد من الأخطاء. ثم شعر بالذهول حين رأى شريحة واسعة من العلمانيين تعثر على مشتركات مع الصدر تنسيقا لمكافحة التفرد، وتعاونا لتخفيف الاحتقان الطائفي الذي يريد السلطان ركوبه.

وعموما فان الموالين للمالكي صاروا قبل فترة يحذرون امثالي بالقول: يا سرمد لا تنخدع بمواقف الصدر فهو يريد خداعكم معشر العلمانيين. لكن هؤلاء حين لاحظوا انني وأمثالي لم ننصت "لنصيحتهم" وبقينا نراقب باهتمام المواقف الجريئة التي تصدر عن كتلة الاحرار، انقلبوا في بذل "النصح". فكتب احدهم خطابا الى "سماحة السيد مقتدى الصدر" قائلا ان على السيد ان يحذر من علمانيين يحاولون خداعه، ويكتبون كلاماً حلواً عن تياره لكي يسهموا فقط "بانحراف" التيار الصدري!

جهة واحدة تزعم ان الصدر يخدع العلمانيين، ثم تزعم نفسها بأن العلمانيين يخدعون الصدر. انها جهة لا تستطيع ان تفهم بأن السياسة ليست خديعة دوما، وان المشتغلين فيها أو بموازاتها ليسوا كلهم على شاكلة المالكي، يستسهلون نقض الاتفاقات والمراوغة واللعب بثمن المواقف الكبيرة. هؤلاء لا يصدقون ان هناك موقفا بلا كذب وبلا رشوة. وسياسة تحركها عقول كهذه سيكون مصيرها التبدد والاختفاء لأنها لا تحمل تصورا متماسكا لمعنى المشاركة في اهداف كبيرة تسمو على كل خلاف.

اما الموضوع الثاني فيتعلق بأول انتخابات سيجريها العراقيون بلا امريكان. انها الاولى بعد انسحاب أميركا وبعد تراجع دور الامم المتحدة. وايضا بعد إلحاق المالكي المفوضيات المستقلة بمكتبه. اي بمكتبه ومجلس وزرائه الذي عمل ٧ أعوام بلا نظام داخلي وبلا قواعد.

عام ٢٠١٠ قام الأميركان بتطويق مفوضية الانتخابات. يروي لي عضو في مجلس المفوضين الحكاية ويقول اتصلنا فورا ببعثة يونامي نسأل عن سبب وجود كتيبة أميركية حولنا. فجاء الرد من الأمم المتحدة: انتشار الجند تم بالتنسيق بيننا وبين الأميركان لأننا علمنا بأن المالكي ينوي ارسال جنده لدخول المفوضية وفرض "العد اليدوي" بالقوة.

اما اليوم فلا يوجد أميركان، ولا دور واضح لبعثة يونامي، ومجلس الوزراء موحش وكله انسحابات، ومام جلال لا يجلس على كرسي الرئاسة. ٢٠٠ نائب قاطعوا جلسة البرلمان الاخيرة ايضا. نسأل امير الكناني الخبير القانوني في تيار الصدر، عن رأيه في هذا فيسألنا بدوره: لو قمنا بالطعن فأي قضاء سينظر في طعوننا بعدما حصل مع المحاكم والمالكي الذي بنى نفوذه فيها؟

علاوي يقول في مقاله المنشور السبت، انه قلق بشأن نزاهة الانتخابات، وان الامر يحتاج "تدابير هائلة" لمنع التلاعب. النجيفي انصت لكيري ونصيحته بانتخابات مبكرة، فيرد: اكيد ولكن ليس تحت حكومة يرأسها المالكي. وللمخاوف ذاتها. الكردستاني تحدث مؤخرا عن الحاجة الى دور دولي يقوم بالتحكيم في الخلافات مع المالكي الذي يبتلع الدولة. وغيرهم وغيرهم.

اما المالكي فليس قلقا وبالامس قال امام كل العراقيين "لولا دولة القانون لتهدم العراق"! ومن يستخدم عبارات كهذه، يحلم بالحصول على ٧٠ من المئة من أصوات الناخبين. ويقنع نفسه بأنه اصبح بطلا بما يكفي للحصول على فوز كهذا. وحين سيحصل عليه في ظروف كهذه سنبادر جميعا الى طعن واسع. ولن نقتنع بفتاوى القضاء وسنتذكر حينها كل الاقتراعات الفاشلة في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا.

ان انتخابات مجالس المحافظات ستمثل اختبارا للمالكي وأيضا لباقي الأطراف لأنها الأولى بعد تراجع الدور الأميركي والدولي. وهي الأولى بمؤسسة رئاسة موحشة ومجلس وزراء وبرلمان شبه خاليين. ولأنها أيضا أول انتخابات في خضم تظاهرات. والجميع قلقون. والأزمة على الأبواب، إذا لم تتداركها آلهة التاريخ .

سرمد الطائي

نشر في المدى البغدادية