العراق.. خطوة واحدة تكفي

بقلم: هادي والي الظالمي

ولادة الحكومة العراقية المتعسرة، تحتاج الى خطوة واحدة، لتجنب اللجوء الى عمليات قيصرية.. هذه الخطوة تتمثل في تخلي احدى القوائم الكبيرة عن المطالبة بمنصب رئيس الوزراء.
ابتداء، كان الطموح الى هذا المنصب محصورا بين ائتلافي العراقية ودولة القانون.
الخلاف العقيم بين هاتين القائمتين اضاف لاعبا ثالثا هو الائتلاف الوطني الذي لم يعد يكتفي بلعب دور بيضة القبان، او المناداة بحكومة الشراكة الوطنية، اللتين روج لهما بداية لضمان عدم تجاوزه في معادلة الحكومة الموعودة، لينتقل الى موقع المتصدي الطامح لتشكيلها.
امتناع الاطراف المذكورة عن الاقدام على تلك الخطوة يأتي لاسباب متباينة، لكنها تلتقي عند ظاهرة التداخل بين الاشياء والقضايا والقيم والمفاهيم التي سادت الواقع العراقي بعد التاسع من نيسان 2003.
تحاول بعض هذه الاطراف وبقوة زيادة التشابك والتداخل القيمي والمفاهيمي للقضايا المختلفة، والغاء الحدود الفاصلة بين الخاص والعام للتمكن من تمرير مصالحها الذاتية تحت غطاء المصالح العامة، وفق الضبابية المذكورة.
فالاطراف التي تخلت عن المشروع الطائفي الذي تبنته طويلا بعد تأكد فشله لتطرح في حملاتها الانتخابية مشروعا وطنيا بديلا نالت على اساسه ثقة الناخبين، عادت لتلوح باستحقاقات اخرى خارج الاستحقاق الانتخابي.
نظام الحكم في العراق نظام ديمقراطي برلماني، بنص الدستور، الذي كتبته القوى السياسية الحالية ووافق عليه الشعب العراقي. وفق هذا النظام واستنادا الى الدستور فان كل الاعراق والاديان والمذاهب تكون ممثلة في البرلمان تبعا لحجومها الحقيقية. هذا التمثيل يمنع اية حكومة من انتهاج سياسات جهوية بلحاظ الدور التشريعي والرقابي للبرلمان ووجود المؤسسات القضائية الحامية للدستور والقوانين. لذا فان محاولة فرض تشكيل الحكومة بضوابط خارج الاستحقاق الانتخابي سينحرف بوظيفة الحكومة من الدور الخدمي الى الدور السياسي وادامة الصراع والانتقال بمستوياته الى الواقع الاجتماعي.
تبعا لذلك، يبدو من الصعب على العراقية ان تقدم على خطوة التنازل عن تشكيل الحكومة، سيما وان محاولات اقصائها تقوم على ذات الاسس التي يعتبر تفكيكها في جوهر اهداف العراقية، كما ان من الصعب على العراقية ان تخذل ملايين الناخبين الذين صوتوا لمشروعها الوطني، ويتضاعف هذا التردد بتقدم العراقية بعدد المقاعد على الاخرين، بما يجعل الاقدام على هذه الخطوة استجابة لابتزاز يؤسس لما بعده، لاتريد العراقية ان تكون سباقة اليه.
دولة القانون التي جاءت متراجعة عن العراقية بمقعدين طرحت برنامجا انتخابيا وطنيا، الا ان نتائجها عكست تمثيلا لمكون واحد... لم يعد امام رئيس دولة القانون اقناع الاخرين بانه تمكن خلال السنوات الاربع الماضية من ازالة الهاجس الفئوي من نفوس ابناء شعبه. هذه النتيجة، تقلل من الدعم الاميركي للمالكي الذي يعاني ايضا من عزلة اقليمية، وسياسية داخلية، ورفض ايراني. فأميركا التي لم تعد مستعدة لابقاء جنودها على مقربة من اخطر اعدائها التقليديين – ايران – لن تكون مستعدة ايضا للحرب من اجل المالكي.
لذا فان تخلي المالكي عن المطالبة بمنصب رئيس الوزراء يؤدي الى اضعاف موقف دولة القانون التي تستظل برمزية المالكي وبالتالي تخليها، بعد استنفاد سياسة حافة الهاوية، عن قيادة تشكيل الحكومة لصالح علاوي مقابل الحصول على مناصب سيادية توازي وزنها الانتخابي، وضمانات اخرى ربما من بينها تقاسم السلطة او منح صلاحيات لقيادة ائتلاف بين العراقية ودولة القانون.
هذا السيناريو الذي بدا مستحيلا قبل ايام، ربما، وبضغط الوقت يكون اكثر السيناريوهات مقبولية، بسبب تلاشي الخطوط بين البرامج السياسية لقائمتي علاوي والمالكي من جهة، ولكونه ابعد السيناريوهات تأثرا بالارادة الايرانية، كما انه ينتج حكومة صديقة للولايات المتحدة على الامد البعيد تطمأن معها الى مصالحها الاستراتيجية في العراق دون الحاجة الى ابطاء سحب قواتها منه والذي ينتهي مع نهاية العام 2011، والاهم انه يستجيب لأوسع ارادة شعبية، ويؤسس لمستقبل واعد.
تصريحات المسؤولين في البيت الابيض والخارجية الاميركية، وبيانات مجلس الامن الدولي الداعية الى احترام ارادة الناخبين العراقيين وسرعة تشكيل حكومة شراكة وطنية تضم كل الفائزين تصب في هذا الاتجاه، فهي تعترف ضمنا بالاستحقاق الانتخابي للعراقية في تشكيل الحكومة، مع ضمان اشراك كل القوى الفائزة وفق نتائجها الانتخابية.
ان فرضية عدم حصول تحالف بين قائمتي المالكي وعلاوي يقف وراء رفع سقف مطالب الائتلاف الوطني لتطال رئاسة الحكومة القادمة، وهو ما عبر عنه احد قياداتها السيد حسن الشمري هذا اليوم بالقول ان ائتلافه قادر على قيادة البلاد. الائتلاف الوطني الذي يضم قيادات شيعية مخضرمة وتمتلك علاقات جيدة مع ايران يحاول اللعب على التناقضات من خلال اعادة طرح نفسه كقيادة سياسية ودينية للشيعة في الوسط والجنوب، بديلا عن المالكي الذي جاء متقدما عليه بفارق كبير.
وفي الوقت ذاته يحاول تصوير العراقية كممثل للمكون السني لسلبها استحقاق رئاسة الحكومة... الا ان الائتلاف قد لا يستطيع تمرير محاولاته هذه لاسباب ترتبط بالاستحقاق الانتخابي من جهة وبالارادات الخارجية من جهة اخرى مما يدفعه الى التحالف مع احدى القائمتين العراقية ودولة القانون.. الا ان شراكته السابقة مع المالكي وحزب الدعوة تجعل تحالفهما مجددا، مع التنازع على قيادة الشيعة، امرا شبه مستحيل.
وترى قيادات الائتلاف ان التجديد للمالكي لدورة جديدة قد يلغى دورها التاريخي ما لم تحصل على تنازلات لا يمكن لدولة القانون تقديمها، فالاخيرة تستطيع الشراكة مع علاوي، خصمها اللدود، تحت ظروف افضل.
من هنا فان قيادات الائتلاف الوطني اقرب الى التحالف مع علاوي العلماني الذي لايشكل منازعا لها في المستقبل على زعامتها الروحية للشيعة، كما انها تستطيع الوثوق به، لكنه لن تقدم على هذه الخطوة الا بعد استنفاد محاولاتها حتى النهاية.
اما الاكراد الذين يرون انهم خارج حمأة السجال السياسي، باعتبارهم مكون قومي اساسي لا يمكن لاحد تجاوزه، فانهم لا يتعجلون امرهم بالوقوف مع احد، وتأتي اشاراتهم مطمئنة ومقلقة لكل الاطراف في ان واحد.
يمكن القول ان الاكراد سيتحالفون مع اي تحالف يحقق الـ 163 مقعدا اللازمة لتشكيل الحكومة.
وعلى العموم فان خطوة واحدة تكفي لتشكيل الحكومة.. ترى من يكون سباقا للاقدام على تلك الخطوة ؟ وما هو ثمنها؟ هذا ما تجيب عنه قوادم الايام. هادي والي الظالمي Hadi_whali@yahoo.com