العراق: بوليس السَّماء واتحاد الأدباء!

بقلم: رشيد الخَيون

«بوليس السَّماء» كان معروف الرَّصافي (ت 1945) يُقلب به، في مجالسه الخاصة الشَّيخ محمد بهجة الأثري (ت 1996)، «باعتباره لا يدع مناسبة تمر إلا وينبري للدِّفاع عن الشَّريعة الغراء» (العمري، حكايات سياسية). وكانت المناسبة على ما يبدو هي معارك السُّفوريين والحجابيين، التي بدأها جميل صدقي الزَّهاوي (ت 1936)، في بداية القرن العشرين.

بغداد اليوم تخضع لألف بوليس للسَّماء، وهي حالة يمكن اعتبارها إيجابية إذا ما تعلق الأمر بمصالح النَّاس، وتعقيب الفساد، والحرب ضد الرَّشوة، وتحصين بغداد مِن الشعوذات، والطِّب الشعبي المدمر، والتقليل مِن الكوارث البيئية، والتخفيف مِن معاناة النَّاس في مراجعات الدَّوائر، والمعقبين الذَّين يبتزون المراجعين، وعدم سلب الحريات، والسماح بالصراخ مِن هذا الحزب أو ذاك، وأخيراً لو تمكن، الذَّين يمكن تلقيبهم ببوليس السَّماء صد الهجمات الإرهابية، وفضح رؤساء العصابات المسؤولين عن توريد كواتم الصوت.

لكن بوليس السماء، مِن مدنيين وعسكريين، بين فترة وأخرى يغزون اتحاد الأدباء، لأن أعضاءه لم يلتزموا بالحسبة، مع أنهم لم يسرقوا ولم يفسدوا بالأموال، ولم تقطع الطرقات لحماياتهم، ولم يرموا فضلاتهم على الأرصفة والشوارع، ولم يهيمنوا على بنايات الدَّولة، ولم يقدموا ثقافة التَّجهيل، في الجامعات والمدارس، ولم يرضوا بالطَّائفية طريقاً لتمزيق الوطن، ولم تصبهم بركات الإيفاد إلى الخارج، وليس لديهم مخصصات حمايات، وقُتل منهم الكثير، أعني أرباب الأقلام والمعارف جميعاً، مِن أدباء ومفكرين وصحافيين وأكاديميين، وهم عصارة الثقافة العِراقية، وأعمدتها. لكن إذا ما أرادت الدَّولة إقناع بقية الدُّول بمشروعها الحضاري، وإن كان تلفيقاً، فليس لها سوى التَّباهي بأسماء أولئك المسحوقين، مِن الأدباء وأهل الثَّقافة، في طاحونة الجهل الأعمى، المتنفذ بالثروة والسَّيف.

مثلما أخذ بوليس السَّماء، الذَّي وضع نفسه مدافعاً عن الفضيلة، بكبس النوادي الليلية والملاهي، كبس نادي اتحاد الأدباء مؤخراً، ظناً أن فيه مِن الرذيلة ما يمنع أفراد بوليس السَّماء مِن الدُّخول إلى الجنَّة، على أساس الحديث: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (صحيح مسلم، كتاب الإيمان).

مع علمنا وعلم بوليس السَّماء، وقالها كثيرون، أن لا مفخخة جُهزت مِن نادي اتحاد الأدباء، ولا إرهابي تخرج مِن ذلك الاتحاد أو النادي، ولا كلمة كراهية خرجت مِن أفواه أولئك الأدباء، ولو بحثوا في كل مقرات الأحزاب المتنفذة ما وجدوا العِراق مجسداً اسماً وأرضاً وشعباً مثلما هو مجسد في أفئدة هؤلاء، فليس بينهم مَن هو آمل في منصب إن صغر أو كبر.

يصعب إلغاء أربعة آلاف عام مِن تاريخ العِراق ككل، وأكثر صعوبة إلغاء طبيعة بغداد، التي هي عليها منذ ألف وخمسمائة عام، إن قلت أو زادت، مِن تاريخها قبل التأسيس وبعده. ليس لبغداد لون واحد أو طعم واحد، هي المختلفة والمتناقضة بهدنة أزلية بين متناقضاتها، جمع فيها الشَّريف الرضي(ت 406 هـ) «نهج البلاغة»، وقال أبو نواس (198 هـ) أنفس قصائده.

بغداد، لا تجعلوها تنتحر تحت أقدامكم، فهي لا تطيق خشونة اللون الواحد، دعوها كما قال فيها شاعرها الحسين بن الحجاج (ت 391 هـ):

وأنتِ يا بغداد قُولي فقد

سألتكِ الحقَّ ولا تكذبي

وكنت أخبرتُ حاشاك يا

نظيرة الجنَّة أن تخبري

إنها نظيرة الجنَّة بتنوعها، فأدباء بغداد لا شغل لهم بدماء النَّاس ولا بأموالهم، شغلهم أن تبقى بغداد مثلما أراد لها ابن الحجاج، وأنتم تدركون كم طارد بوليس السَّماء هذا الشَّاعر مِن قبل!

رشيد الخيّون