العراق: المقاومة أمام اختبار إثبات الوجود

بغداد
الكر والفر افضل اسلوب لمواجهة قوة متفوقة عددا وعدة

صارت المواجهة العسكرية بين المقاومة العراقية وقوات الاحتلال الأميركي، المدعومة بالقوات العراقية، أمرا لا مفر منه، في ظل تداعيات الأوضاع الأخيرة في العراق، واقتراب موعد الانتخابات العراقية، المقرر إجراؤها في شهر كانون الثاني/يناير من العام القادم، وما تحتاجه تلك الانتخابات من أوضاع أمنية مستقرة.
وإذا كانت القوات الأميركية تحاول أن تسترجع سيطرتها على العديد من المدن العراقية، التي صارت الآن، وبعد عام ونصف العام من الاحتلال، خارج نطاق السيطرة الأميركية، فإنها في ذات الوقت تسعى لتأمين الأجواء، ولو في الحد الأدنى للانتخابات العراقية، التي سيشكل أجراؤها في موعدها المحدد، نصرا سياسيا للإدارة الأميركية، ربما سيخفف كثيرا من وطأة الضربات العسكرية، التي تلاقيها يوميا من قبل المقاومة العراقية، التي أثبتت أنها خصم شديد المراس. كما إن الانتخابات العراقية قد تكون نقطة التحول المطلوبة للإدارة الأميركية من أجل النفاد بجلدها من مستنقع العراق.
ويرى العديد من المراقبين أن المواجهة العسكرية، التي بدأت بالهجوم الأميركي على مدينة سامراء، وهو الهجوم، الذي تحاول الإدارة الأميركية ووزراء الحكومة العراقية المعينة، أن تصوره على أنه انتصار للقوات العراقية، في محاولة يراد منها زرع الثقة في نفوس منتسبي الحرس الوطني والشرطة العراقية، الذين ثبت، في أكثر من مواجهة عسكرية، أنهم لا يجيدون فنا قتاليا إجادتهم لفن الفر دون الكر، كما يقول العديد من المراقبين، بالنظر لانعدام الدوافع القتالية لديهم.
ويشكل الأداء الهزيل للقوات العراقية الحكومية نكسة كبرى، سواء للحكومة العراقية المعينة، أو لاستراتيجية القوات الأميركية، التي تعول كثيرا على تلك القوات لحماية جنودها من رصاص رجال المقاومة، فقوات الاحتلال وحكومة إياد علاوي المعينة، كانا يعولان كثيرا على إنشاء جيش وشرطة قادرين على إن يتعاملا مع المقاومة الموجودة في الداخل، بل إن العديد من المتابعين للشأن السياسي يعتقدون أن أمر تكوين جيش عراقي جديد ما كان ليحصل لولا وجود المقاومة، وحاجة القوات الأميركية لمثل هذا الجيش، للتعامل مع هذه المقاومة، التي سرعان ما ظهرت، بعد احتلال بغداد بأيام قليلة فقط.
وربما كانت مدينة سامراء هي الهدف الأول في حملة استعادة السيطرة على المدن المتمردة، إلا إنها حتما لن تكون الأخيرة. فالعراق، وبعد عام ونصف من الاحتلال، شهد معارك دامية في العديد من مدنه، التي نجحت فيها المقاومة في طرد القوات الأميركية، من تلك المدن، التي باتت تسمى بـ"المدن المحررة". ففي كل يوم كانت هناك مدينة تجذب إليها وسائل الإعلام، وتخطف الأضواء من التي قبلها، لأنها "تمردت" وقاومت القوات الأميركية، وإذا بها بعد عدة أيام أو أسابيع تتحول إلى مدينة خالية من الوجود الأميركي، وبهذا تحولت العديد من المدن العراقية، وفق استراتيجية سلكتها المقاومة العراقية إلى مدن محررة، أو على الأقل خارج نطاق السيطرة الأميركية. أي أثر لفشل نموذج الاختبار؟ ويرى مراقبون عراقيون أن الحملة العسكرية الأميركية قد فشلت في اختبارها الأول، وهو مدينة سامراء، مع العلم أن المقاومة في هذه المدينة ليست بذات الشدة والحرفية الموجودة في بعض المدن العراقية الأخرى. فعلى الرغم من التصريحات الأميركية - العراقية الرسمية بأن الهجوم نجح في إخضاع سامراء، وطرد المسلحين منها، إلا أن المعطيات على الأرض تؤكد عكس ذلك، فالمدينة مازالت تحت سيطرة المسلحين في قسمها الأكبر، والخسائر الأميركية هناك جلية لكل متابع قريب.
ويتساءل العديد من المراقبين بأنه إذا كانت القوات الأميركية والعراقية قد نجحت فعلا في السيطرة على المدينة، فأين الصور وكاميرا التلفزة، التي ترافق تلك القوات لتصور فصول هذا "الإنجاز العظيم"؟، بحسب التسمية الحكومية.
ويمضي هؤلاء في مسار التشكيك في الرواية الأميركية والحكومية بالإشارة إلى أن المسؤولين الحكوميين العراقيين والعسكريين الأميركيين يناقضون أنفسهم بأنفسهم، فمرة تقول الحكومة العراقية إنها بسطت سيطرتها على 80 في المائة من المدينة، وفي اليوم التالي يخرج متحدث أميركي ليعلن أن قواته تسيطر حاليا على 70 في المائة من المدينة، فيما يعود بيان آخر للجيش الأميركي ليؤكد أن قواته تطوق مدينة سامراء من الخارج.
ويرى المراقبون أن هذا التناقض في التصريحات بات واضحا لكل متابع لتفاصيل الهجوم الأميركي على مدينة سامراء، ناهيك عما تواتر نقله من أحاديث شهود العيان، الذين نقلوا تفاصيل فشل الجيش الأميركي والعراقي الجديد في التحكم في خيوط العملية العسكرية التي تتعرض لها المدينة منذ أيام، دون أن تسفر عن نتائج مقنعة حتى الآن. حملة إعلامية تسبق الحملات العسكرية ويذهب العديد من المراقبين إلى أن الحملة العسكرية الأميركية - العراقية لاستعادة السيطرة على المدن "المحررة"، قد سبقتها حملة إعلامية شرسة، شنتها الحكومة العراقية المعينة ضد معاقل المقاومة، في محاولة لطمس هويتها العراقية، من أجل خلق حالة من التنافر بين رجال المقاومة وبين الشعب العراقي، الذي بدأ، بعد أحداث الفلوجة والنجف، يتعاطف كثيرا مع هذه المقاومة.
وإذا كانت الحملة الإعلامية الأميركية - العراقية ضد المقاومة قد وجدت منذ بداية المقاومة، إلا أنها بدأت في الآونة الأخيرة تأخذ شكلا أوسع وأشرس، وصل إلى الحد الذي قامت فيه بعض الصحف العراقية المحسوبة على الحكومة وعلى قوات الاحتلال، بنسب أقوال إلى شيوخ ووجهاء العشائر المنخرط بقوة في صفوف المقاومة العراقية تتهجم على المقاومين، كما حصل قبل عدة أيام، عندما خرجت جريدة الصباح اليومية، التي تعتبر لسان حال القوات الأميركية والحكومة المعينة بمانشيت عريض يقول إن أربعة عشائر كبرى في الفلوجة تعهدت بتنظيف المدينة من "الإرهابيين".
ونسبت الصحيفة أقوالا إلى عدد من شيوخ تلك العشائر المعروفين، الأمر الذي دفع هؤلاء الشيوخ إلى تكذيب ذلك النبأ جملة وتفصيلا، بل إن أحدهم، وهو شيخ عشائر المحامدة، قد قرر رفع دعوى قضائية ضد الجريدة، بسبب هذا التصريح الذي نسب له، من دون أن تكلف الصحيفة نفسها حتى عناء الاتصال بصاحبه، بحسب ما أكد محيط شيخ عشائر المحامدة. كما قامت ذات الصحيفة بنشر خبر مفاده أن مجموعة مسلحة في الفلوجة طلب من الأكراد المقيمين هناك الرحيل عن المدينة، وأمهلتهم حتى بداية شهر رمضان، وهو الأمر الذي نفاه شيخ الأكراد في الفلوجة بشدة، مؤكدا "وقوف الأكراد في صف المجاهدين".
من ناحيته يقوم تلفزيون "العراقية" الذي تموله القوات الأميركية بنقل مشاهد من القصف الأميركي على الفلوجة، يرافقها تعليق مكرر بأن القوة متعددة الجنسيات، استهدفت مقار لأنصار الأردني أبي مصعب الزرقاوي، المقرب من زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، في حين تتجنب نشر صور المدنيين الأبرياء من النساء والأطفال، الذين يقتلون في كل غارة من تلك الغارات الأميركية المتكررة على مدينة الفلوجة. صناعة مستقبل العراق ويشير مراقبون عراقيون إلى أن الحملة العسكرية الأميركية - العراقية ضد المقاومة العراقية ستكون الفيصل فيما سيكون عليه مستقبل العراق القريب والمتوسط، مشددين على أن المقاومة ستكون أمام مهمة صعبة لإثبات وجودها، وهي التي لا تملك، وفق المواصفات العسكرية التقليدية، العدة والعتاد، التي تتمتع بها القوات الأميركية، إلا أنها تملك ما لا يملك الجيش الأميركي من إيمان بالقضية التي يقاتل المقاومون من أجلها، كما يقول هؤلاء المراقبون.
لكن المقاومة العراقية، وعبر عمرها الذي بلغ العام ونصف العام، امتلكت من الخبرات القتالية ما يجعلها عدوا صعب المراس، يضاف إلى ذلك أن العديد من المدن العراقية "المحررة"، عقدت فيما بينها اتفاقات تعاون، من أجل تفويت الفرصة على القوات الأميركية لتحقيق النصر على تلك المدن واحدة بعد الأخرى.
إذ أكدت مصادر عراقية مقربة من المقاومة لمراسل "قدس برس" أن العديد من الفصائل المقاومة عقدت اتفاقات فيما بينها لإشعال حرب لا هوادة فيها، إذا ما تعرضت الفلوجة لهجوم أميركي بري وجوي. أما لماذا الفلوجة دون غيرها؟ فتقول تلك المصادر إن هذه المدينة صارت تعتبر القلب المنظم لعمليات المقاومة، وأن سقوطها سيعني فيما يعنيه ضربة معنوية كبيرة للمقاومة العراقية.
إلا أن المراقبين يعتبرون أن المقاومة ربما ستلجأ إلى إدخال تغيير في تكتيكها العسكري، من أجل مواجهة الضغط الأميركي المتزايد، إذ يقول عبد مخلف، وهو ضابط في الجيش العراقي السابق في حديث لـ "قدس برس" إن المقاومة العراقية تملك القدرة الكبيرة على التمويه والتلاعب بخطط العدو، من خلال الأرضية الواسعة التي تملكها.
ويضيف "أعتقد أن المقاومة ربما تلجأ إلى أساليب الكر والفر في المواجهة القادمة مع قوات الاحتلال، أي إنها قد لا تلجأ إلى حرب المواجهة والاشتباكات الطويلة لأن مثل هذه الاشتباكات تنفع الجيش الأكثر عددا وعدة.. أما حرب العصابات، أو ما يعرف بأسلوب (اضرب واهرب)، فإنه قد يكون الحل الأنجع لمواجهة القوات الأميركية، صاحبة العدد والعدة والسيطرة الجوية، القادرة على أن تهزم أكبر الجيوش في العالم". (قدس برس)