العراق... المالكي لا يملك سوى التخبط

توهم القيادة في ظرف غير مناسب

بغض النظر عن كل التفسيرات السياسية والعسكرية التي لا ينفصل أحدها عن الآخر لما حدث في سامراء ونينوى فإن من الواضح والجلي أن الأوضاع الأمنية بشكل عام ما زالت تتخبط في سياسات متضاربة؛ تجاه مشكلة كبيرة وخطيرة تتعلق بالعراق ومستقبل شعبه وحياته .. هذه المشكلة التي تتطلب إعادة تقييم للنظم المعتمدة وهيكيلية القوات المسلحة بشكل عام وعلاقتها بعضها بالبعض وبالسلطات المركزية او المحلية،

يبدو أن ما حدث في سامراء ونينوى وقبلها في الأنبار والفلوجة وجرف الصخر ومدن ومناطق اخرى والفشل والخيبات المتتالية في منع كل تلك الهجمات لم يكن كافياً بعد لرئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الداخلية والأمن الوطني وطاقمه لكي يراجعوا سياساتهم ويعترفوا بان هنالك قصوراً في الرؤى والحسابات وربما في التوجهات يحول دون أن تتمكن قواتنا المسلحة ضباطاً ومراتب جيش وشرطة وامن من استخدام طاقاتها وإمكانياتها بالشكل المناسب الذي يتناسب وتلك الأموال الهائلة التي تصرف عليها. إن ما حدث وما سبقه ورافقه وتبعه من عمليات إرهابية في بغداد بشكل خاص يجسد أمرين:

اولاً :وجود خلل كبير ووهن في منظومة الدفاع عن المدن تتيح للعصابات الإرهابية تنفيذ مهامها بسهولة ويسر يضاعفه , وهو ما يزيد الطين بلة، ذلك الضعف في المعلومات الاستخباراتية إضافة إلى اللاأبالية القاتلة عند تلقي المعلومة وهو ما يؤشر عدم وجود تنسيق فاعل بين الأجهزة المسؤولة عن الأمن وفقدان الثقة بين قادتها في الغالب والمسؤوليين المحليين كما ان من المهم الانتباه الى الأثر السيئ للشحن الطائفي في العلاقة بين القوات الأمنية والمواطنين في المناطق التي يعملون بها.

ثانياً :استمرار الخطاب الإنشائي والبيانات العامة والحديث عن انتصارات وهمية من دون وجود الشجاعة للاعتراف بالأخطاء حيث من المعلوم ان ابسط الدراسات العسكرية المتخصصة خاصة ما يتعلق منها بشؤون حروب العصابات وتجارب العالم تؤكد بان الهدف الأساسي والأول لرجال العصابات التي تعتمد في عملها أسلوب الكر والفر وعدم مسك الأرض كهدف هو " العرقلة والإزعاج وتكبيد خسائر مادية وبشرية صغيرة لكنها متعددة يكون مجموعها مع الزمن كبيراً "، لذا فالنجاح الفعلي والحقيقي لقواتنا الأمنية بمختلف مسمياتها يتمثل في منع المجاميع الإرهابية من دخول المدن ومنعها من تحقيق أغراضها .

ليس هدفنا هنا إلقاء اللوم كما يحاول البعض على أجهزتنا الأمنية او ان نكون بمثابة الوعاظ لها فنحن ندرك جسامة التحديات الكبيرة التي تواجهها سواء في مواجهة هذا النوع من الإرهاب الداعشي او القاعدي او الميليشياوي او في تلك الأطراف السياسية التي فرضت تدخلها على مؤسساتنا الأمنية بشكل سيئ وبصور وأشكال متنوعة من بينها منح الرتب والشهادات بغير حساب ومن دون استحقاق اوعدالة وبمقاييس تستهجنها الثقافة العسكرية الأصيلة التي استقت علومها ومعارفها من أرقى الكليات والمعاهد العسكرية في العالم.

ليس هدفنا ذلك بقدر ما نريد أن نثبت هنا انعكاس الأوضاع السياسية المضطربة والنفعية سلباً على أداء أجهزتنا الأمنية القادرة إذا ما أتيحت لها الفرصة على أداء واجبها بشكل وطني ومهني كبير .. كما أننا هنا لانبغي التقليل من معلومات عدد غير قليل من القادة العسكريين والأمنيين او خبراتهم بقدر ما نسعى الى الإسهام ببعض الأفكار العامة أملاً ان تكون فرصة حوار ومراجعة تمكننا الوصول الى استقرار امني افتقدناه ما يعني الحاجة إلى تخطيط ووضع برامج عمل ونظريات أمنية تتناسب وواقعنا وما يواجهنا من مخاطر ومعالجة إخفاقاتنا جذرياً وربما يمكن هنا الاستعانة بمقولة لكارل ماركس بشأن أهمية النظرية لكل عمل عندما قال بما معناه: إن أي عمل من دون نظرية أعمى.

لذا فمن المهم وتجاه الواقع الراهن العمل أولاً على بلورة سياسة شاملة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأثرها على الواقع الأمني والأخذ بنظر الاعتبار استقلالية المؤسسة الأمنية في الولاء وإبعادها عن منافسات وصراعات التيارات السياسية المبنية على عدم الثقة وترسيخ عقيدة الولاء للوطن وليس للطائفة او التيار السياسي او القومي وهذا ما نفتقده في مفاصل مهمة من هذه المؤسسة المهمة والحساسة ..لقد خلقت أحداث سامراء هلعاً كبيراً في صفوف الشعب عامة وخوفاً من عودة مجريات التصفيات الطائفية إبان تفجير مرقد الإمامين العسكريين في 2005 ما يعني استمرار ذلك القصور الكبير في توجه عدد غير قليل من القوى السياسية في ترسيخ قيم المواطنة وتمادي بعضهم باستخدام خطاب طائفي او عرقي مقيت ، كان السبب في الأزمات المستمرة التي نعيشها سواء في موضوعة الأنبار والفلوجة أو العلاقة مع إقليم كردستان.

إن الأمن جزء من منظومة كبيرة تتضمن السياسة والاقتصاد والاجتماع ، وقد يكون الأكثر تأثراً بها مجتمعة، وإلا فمن غير المعقول ان تستمر كل هذه التداعيات الأمنية الخطيرة بهذه الصورة لو كان هنالك شيء من التنسيق بين الأجهزة الأمنية والمسؤولين المحليين في أية محافظة او مجالسها. كما أن هنالك حاجة لإعادة النظر ببرامج التدريب والإعداد المعنوي لعناصر هذه الأجهزة لتقوية قدرتها على الدفاع عن مواقعها ومعالجة نقاط الخلل التي يستفيد منها الإرهاب لتنفيذ مخططاته .اخيراً ليس من المعيب للسياسي ان يعترف بأخطاء ارتكبها غير ان العيب كل العيب في استمرار تلك العنجهية الفارغة وليِّ الحقائق والقفز عليها في وقت نستمر نحن كمواطنين في دفع التضحيات الجسام أرواحا عزيزة ودماء طاهرة ونزوحا جماعيا وخوفا من الآتي، فهل تكون سامراء ونينوى درساً للمراجعة ... لا نظن!

طارق الجبوري

كاتب عراقي