العراق الغني بلد الشحاذين!



بغداد

العيش على قارعة الطريق

اصبحت مهنة الاستجداء عراقية بامتياز نتيجة الأحوال الاجتماعية والضغوطات السياسية والاقتصادية، وتزداد مع زيادة الأزمات وتردي الأوضاع وخاصة بعد مرور حروب طاحنة وحصار طويل وقتل وتشريد وبطالة وزيادة معدلات الفقر. حتى إننا لا نجد مكانا في الشارع أو إشارة مرورية أو نقطة سيطرة الا ونجد فيها مجموعة كبيرة من المستجدين ينتشرون هنا وهناك وتراها أمام دور العبادة والأسواق العامة والطرقات. ولكي انقل التحقيق إلى الواقع خضت التجربة بنفسي لكي أكون اقرب إلى هذه الظاهرة وأتعرف على معاناة المستجدين وحياتهم وانقل للمسؤولين والباحثين ما يدور خلف الكواليس من أمور تخفى عن الكثير منا.

ومن اجل تسليط الضوء والوصول إلى الأسباب والحلول نبدأ مشوارنا بهؤلاء الفتية من الذين يوجدون في جانب جسر كركوك حيث يمتهنون الاستجداء عملا، يقول علي وهو يرفض ذكر اسمه إلا بعد ان تعمقت العلاقة بيننا وعاهدته على أن أساعده لأني ملت إلى قلبه ببعض الوعود فقال "نعم نحن جئنا من أطراف بغداد الى هنا في كركوك لكي نستطيع العيش نحن عائلة من ثلاث بنات وأمي لم نجد عملا يناسبنا فاضطررنا الى النزول للشارع لبيع الأشياء البسيطة مثل العلكة او النستلة او المناديل الورقية وكل يوم نجمع ما حصلنا عليه ونقسمه الى ثلاثة أقسام قسم للإيجار وقسم للمعيشة وقسم لشراء الحاجات التي نستعطف بها الناس".

وتقول مروة التي تقف في الإشارة الضوئية المقابلة لانهم "اي عائلتهم" اشترت هذا المكان بالاتفاق مع الشيخ كما أسمته المسؤول على توزيع المناطق هناك، ومروة التي تبلغ الاثني عشر ربيعاً تستيقظ كل يوم من الساعة السادسة فجراً لتلبس ملابس العمل وتتهيأ للنزول الى الشارع من اجل ان تعود بمبلغ يكفي لشراء الطعام والدواء لوالدها الذي اقعد نتيجة التفجيرات التي حصلت في بداية الغزو الاميركي، وتتمنى مروة ان تدخر بعض المال لكي تشتري ثوباً جميلا ودمية صغيرة تلعب بها قبل نومها ليلا لأنها تجبر على النوم عند الساعة الثامنة ليلا لعدم وجود كهرباء ونهوضها المبكر الذي يتطلب عملا شاقا وهو المكوث لأكثر من عشر ساعات في الشارع، ولا تفكر مروة في الدراسة التي حرمت منها وتذكر، على حد قولها، انها لو حصلت على شهادة لا تستطيع ان تحصل على ما تحصل عليه اليوم.

وما زلنا في المكان نفسه حيث نعمل كما يعملون للحصول على استقصاء حقيقي لما يجري فتقربنا إلى رجل يميل الى الكهولة وقد بان على رأسه الشيب وتخضبت لحيته بالبياض وهمس قائلا "هذا مكاني لا احد يشاركني فيه فانا هنا منذ خمس سنوات أصبحت مهنتي لكي احصل منها على قوتي وأعطي عائلتي ولم أجد بابا إلا طرقته ولكن ما العمل في وضع صعب والعيشة صعبة ولا الحكومة ولا اصحاب المال او الاعمال يذكروننا او يعطفوا علينا ولا نستطيع ان نعمل ولكي نعيش، لابد ان نتخذ وسيلة سريعة للكسب وان كانت مهانة او فيها ذل فلا يوجد حل..".

انتقلنا الى بغداد ولم تكن العاصمة تختلف عن المحافظات الاخرى والتقينا الدكتورة مريم علي الاختصاصية في طب المجتمع وتحدثت عن هذه الظاهرة قائلة "هناك اسباب كثيرة للاستجداء منها الحروب والحصار والطائفية والتهجير والاغتيالات والتفجيرات وكذلك التفكك الاسري وضعف الروابط الاجتماعية، ولا ننكر غياب الاب ودوره في التربية والارشاد والأم وتحملها مسؤولية الرعاية واتمام دور الاب من الحفاظ على الابناء والتوجيه الصحيح للارتقاء بمستوى العائلة".

واضافت "لقد أصبح الاستجداء مهنة يكسب فيها المستجدي المال وهناك من دعته الضرورة الى ان يسلك هذا الطريق، لقد اصبحت للمستجدين خبرة في كيفية التعامل والتفنن في هذا العمل فهناك من يجلب معه صغارا ويضعهم في عربة او يحملهم بوضع يوحي اليك بانه معاق ويستحق الدفع".

واوضحت "نلاحظ ان اكثر المستجدين من الاطفال فقد القت الظروف بهم بين السيارات وعند نقاط السيطرات والحواجز الامنية والاشارات المرورية وهذا ما لا شك فيه يتحول الى انواع من الامراض الاجتماعية ومعرضين الى الاعتداءات والاهانات، اوعز ذلك كله الى ابتعاد هؤلاء الاطفال عن جو العائلة والاهل من ناحية الرقابة والتوجيه والارشاد الذي تقدمه الاسرة فيخرج لنا جيل جديد يحمل ثقافة الشارع وروح العداوة والبغض والاتجاه نحو الانحراف والمقامرة واقتراف الاخطاء من سرقة وتعاطي الحبوب والمسكرات والسكائر فسوف نجد بعد فترة جيلا كاملا منحرفا يعيش على هامش الحياة، عمله كله ضد القانون ومملوء بالمخالفات لا يمكن ايقافه، بل سيؤثر في المجتمع باسره وسيدفع المجتمع الثمن باهظا من أجل حل مشكلة لا يمكن اصلاحها بسهولة، فانتهاك الاطفال هو خلل اجتماعي يؤدي الى انحراف الاطفال الى الجريمة ويصيبهم بالوهن والامراض النفسية المستعصية لان الانسان يمر بمرحلة مهمة هي المرحلة المبكرة من الطفولة التي تحتاج الى رعاية ونمو سليمين وتأمين للمتطلبات التي يحتاج اليها الطفل وهي ضرورية للحد من ظاهرة الاثار السلبية للمجتمع والمترتبة نتيجة عمل هؤلاء الاطفال في مثل هذه الاعمال المبتذلة".

وقال وليد مظفر مدير دائرة ذوي الاحتياجات الخاصة في وزارة العمل "ان الامانة العامة وافقت على مقترح شمول شريحة المستجدين برواتب شبكة الحماية الخاصة في بغداد والمحافظات".

وأكد ان الوزارة حاولت من اجل حصر عدد من الشحاذين ولكنها لم تتوصل الى الارقام الصعبة والحقيقية".

فيما أكد غانم السلمان في جمعية التعاون والرعاية الخاصة ان الجمعية رصدت اكثر من تسعة ملايين تحت خط الفقر وهذا يجبر الكثير من الناس على النزول للشارع وطلبت المساعدة من المارة وهناك نسب تبين ان ما يقرب من نصف مليون شخص في الشارع يمتهن الاستجداء بطرق مختلفة فحسب وزارة التخطيط فان مئة الف يشحذون كما ان هناك ست مائة الف طفل لا يذهبون الى المدرسة اضافة الى تسع مائة الف طفل معاق.

وحسب الدراسات والتقارير التي صدرت عن منظمات انسانية ان ما يقرب من مائة وست وتسعين الف شخص يوجدون في الشارع وهذا يولد مشكلة تنموية مرتبطة بتدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عدم تلبية احتياجات الناس ويؤدي الى تدهور الاوضاع الاقتصادية والمعيشية حيث تحولت فئات واسعة من المجتمع الى طبقات فقيرة.

ويشكل الاطفال المستجدين 65% وتبلغ النساء ما يقرب من 15% والباقي من البالغين او الرجال الكبار ولا يمكن احصاء عدد المستجدين ولم تقم أية وزارة معنية كوزارة العمل والشؤون الاجتماعية بمسح واحصاء عدد المستجدين والعمل على حلها.

أين بيوتنا؟
وذهب الباحث طلعت احمد الى ان الاستجداء مشكلة كبيرة ومعقدة تكمن في ان بعض الافراد لا يجدون وسائل كافية لضمان قوتهم اليومي فيلجأون الى النزول للشارع وكسب عاطفة الناس من اجل الحصول على مبلغ ونسمع بوجود شبكات منظمة للاستجداء مهمتهم تنظيم المستجدين من نساء واطفال ومعاقين وحتى اطفال رضع.

وبرغم ذلك لا توجد ارقام واحصائيات دقيقة عن حجم هذه الظاهرة وتشير التقارير الى ان هناك ما يزيد على 140 مليون طفل في الشارع على الصعيد العالمي ويقدر ما بين 8 الى 10 ملايين في الوطن العربي وتؤشر ان الظاهرة اخذة بالازدياد والتفاقم وبالاستناد الى احصاءات تقديرية اجراها العديد من المنظمات التابعة للمجتمع المدني وجاءت التقديرات في العراق ما يقرب من 490 الف طفل.

وذهبت خنساء عبد العظيم مستشارة مكتب حقوق رعاية اليتيم وللعوائل المتعففة الى ان الاستجداء تحول الى مشكلة بنيوية الا ان الخطورة لا تكمن في بعض الافراد الذين لا يجدون فرصا او ضمانا للحصول على قوتهم اليومي فيتولوا الى الاستجداء من اجل الكسب وماهذه الظاهرة الا انه آفة تنخر في جسد المجتمع العراقي واستفحلت برغم ان الحكومة لم تتخذ الاجراءات المناسبة فيجب عقد ندوات ومؤتمرات لايصال فكرة خطورة هذه الظاهرة لانها تزرع ثقافة التوكيل ومن بعدها تدمير المجتمع وتحويل الجيل الى جيل فاسد لا يحترم القانـون.

وهناك من امتهن هذه الحالة وبرغم انه يملك موردا الا انه يبقى متمسكا بحالة الاستجداء لان الاستجداء اصبح تجارة مع مرور الوقت وبطريقة يستغل المستجدي رأفة وعطف الناس ويدعي المستجدي انه يجمع المال ليضمن غدر الزمان ونوائب الدهر وقد يخترع بعض المستجدين الطرق والاحتيال في الحصول على الاموال.

وتعزو عبد العظيم احد أسباب هذه الظاهرة الى التفكك الاسري وضعف الروابط الاجتماعية وغياب احد الابوين او كلاهما، وهناك بعض التسلط والقسوة من الآباء اضافة الى ضعف الوعي وتدني مستواه وانعدام الارشاد والتوجيه وهناك من يمارس الاستجداء ليس من منطلق العوز فحسب، وانما شعوره بالنقص هو أشبه بالبخيل، وهناك بعض المستجدين المعاقين يبررون استجداءهم بانهم غير قادرين على العمل كونهم فقدوا احد اجزاء اجسادهم بالرغم من وجود حرف وصناعات تناسبهم وتليق بذوي الاحتياجات الخاصة.

ويبحث المحامي ياسر عبدالقادر عن حلول لمثل هذه الظاهرة فيقول "يجب العمل على تحسين الظروف الاجتماعية لاسر الاطفال والعاملين من خلال توفير فرص عمل لأولياء الامور وخاصة القادرين على العمل، وتقديم مساعدات مادية طارئة مع ضمان رواتب شهرية للعاجزين، كما ان هذه الحالة تحتاج الى دراسة من الجهات المسؤولة مثل الضمان الاجتماعي والجهات القانونية وكذللك حقوق الانسان مع وضع حلول مناسبة تغير المفاهيم والتركيز على حقوق الطفل واحترام كرامته وحقه في العيش ومن اسرة طبيعية مع توفير الحاجات الاساسية".

ونرى ان ازدياد اعداد المستجدين بشكل خطير يبقى المجتمع يترقب حلولا جذرية تحد من مضاعفات المشكلة وكما افادت التقارير ان 31% من الاطفال تركوا المدارس وتوجهوا الى الاستجداء بطرق مختلفة.

وقبل الاختتام نقول ان الموضوع من المواضيع الشائكة والخطيرة، التي نعانيها نحن ودول كثيرة ايضا وذلك نتيجة المعاناة الاجتماعية ونتيجة الحروب والازمات السياسية وتشكل خطر الامن الاجتماعي اذا لم يتم تحليلها ووضع معالجة سريعة للحد من انتشارها.

اليس ذلك من واجبات الحكومة التي استودعناها ثروتنا، خاصة ان المستجدي هو مسلوب الحقوق ويطمح الى ان تعود اليه بعض حقوقه وخاصة وصول العاطلين والفقراء والايتام وصل الى ارقام مليونية كما اوردت احصائية لوزارتي التخطيط والعمل والشؤون الاجتماعية ومنظمات دولية الى مابين 20 الى 25% من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر وعدد العاطلين تجاوز الى مليون ونصف المليون عاطل.