العراق: الخروج من المأزق الطائفي

الطائفية مسند الفاشلين

تتجذر مشكلة التخلف والطائفية في العراق، يوم بعد آخر، في ظل غياب الوعي، وموت الضمير، وشلل الإرادة، لدى قطاع واسع من الجمهور الطائفي، ولدى القيادات السياسية الطائفية. يحدث كل ذلك مع تزايد الهوة بين البصر والبصيرة، بين رؤية المشكلة والقدرة على إدراكها والصبر في تحليلها، وإيجاد الوسائل والحلول الملائمة والمناسبة لمعالجتها.

من هذه المقدمة، نسعى إلى ربط ما يجري في العراق من تعطيل لعملية التنمية وإهمال لقضية التوزيع العادل للثروة، وتفاقم مشكلة هدر الموارد والفساد ونهب المال العام وسياسات الإفقار والبطالة، بتفاقم مشكلة الطائفية واستعصائها على الحل، بعد أن تم توظيفها في عملية بناء النظام السياسي الطائفي بعد العام 2003، وما رافق ذلك من استهداف منهجي منظم للمواطنين الأبرياء من جميع المكونات وللبنية التحتية، أسهم في تمزيق النسيج الوطني وانتهك العديد من التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، مما دلل على أن أبعاد المخطط لا يدرك كنهها إلا أصحاب الرؤية البعيدة.

من هنا، بدأت الأسئلة تتزاحم في عقل وضمير كل مواطن يسعى للعيش بشرف في ظل تضاؤل فرص العيش الكريم. ومن أبرز تلك الأسئلة: ما معنى هذا التدمير المنظم لحاضر ومستقبل شعب وبلد عريق كالعراق؟ لماذا يمول هذا التخريب واستهداف الأبرياء من دول معروفة بعينها؟ ما مصلحة الأحزاب الدينية في إعادة إنتاج التخلف والنفخ في بوق الطائفية؟ هل من المنطقي أن يكون الاختلاف الفقهي سبباً في تمزيق النسيج الاجتماعي واستمرار التخلف وتوقف عجلة التنمية وعملية بناء الإنسان في العراق؟

ومهما كانت القضايا المختلف عليها، بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد، جوهرية ومعقدة فإنها في النهاية لا تتعدى الاختلاف في وجهات النظر، وإذا صدقت النوايا يمكن التوصل إلى حلول مشتركة ترضي الجميع من خلال عقد مؤتمر إسلامي (سني ـ شيعي) جاد يتناول بالبحث العلمي المعمق أخطر نقاط الخلاف ويضع المقترحات المناسبة لحلها، فما عقد من مؤتمرات ولقاءات لحد الآن لم يرتق إلى مستوى الجدية والإدراك المطلوب لخطورة القضايا المختلف عليها وغلب عليها الطابع الاحتفالي والدعائي. وبصريح العبارة نقول إن حل تلك المشكلة ليست بيد رجال الدين وحدهم، فهناك مطلب اجتماعي وجماهيري ملح يدعو إلى مشاركة الرموز والنخب الثقافية والاقتصادية السياسية المهمشة.

خصوصاً تلك التي لا ترتبط بأي مرجعية دينية، وتمتلك الكارزما والاستقلالية والقبول السياسي والاجتماعي الذي يؤهلها للتصدي بحزم لتلك المشكلة، فضلا عن امتلاكها للقابلية والقدرة على أقناع جميع الإطراف بعدم جدوى وعدم عقلانية الاستمرار في تعطيل وتدمير الحاضر والمستقبل من أجل مجموعة من الروايات والقصص المختلف عليها، ففي النهاية ليست هناك مشكلة أصلاً.

فجميعنا مسلمون ونمارس الشعائر والعبادات نفسها، وإن اختلفنا في بعض التفاصيل الصغيرة التي لا تحتاج إلى أن نوغل بدماء بعضنا بكل هذه البربرية. من هنا تظهر الحاجة الملحة إلى وجود رمز وطني مدني تلتف حوله الجماهير، بعد أن دللت الوقائع على أخفاق الرموز الدينية لمختلف الطوائف في تحقيق هذا الهدف، كما أن عدم وجود مرجعيات دينية واحدة أو موحدة، يجعل المرجعية الدينية التي تمثل جهة معينة، ليست معترف بها أو هي ليست محل ثقة من قبل الجهة الأخرى أو الطرف الأخر. ولكن من أين نأتي اليوم برمز وطني مدني على شاكلة نيلسون مانديلا والمهاتما غاندي، خصوصا أن تاريخنا المعاصر يخلو من مثل هذا الرمز.

من هنا يتضح لنا مدى التأزم الاجتماعي السياسي ومدى صعوبة العودة إلى حالة التفاهم والانسجام والتعايش في المدى المنظور على أقل تقدير.

وفي ظل هذا الوضع المتأزم فأن أي شخص عقلاني وغير طائفي لابد أن يفكر بالسؤال الآتي: إذا كانت المشكلة بهذي البساطة، إذن لماذا كل هذا القتل والتخريب والدمار؟

من هذا السؤال النزيه والمحايد والموضوعي، تنبثق الإجابة عن حل المشكل الطائفي في العراق، وهو أن المشكلة لا تعود إلى الاختلاف في تفسير بعض الآيات والروايات والقصص بذاتها، بل في التوظيف السياسي لهذا التفسير من بعض الدول والأحزاب في العراق وفي المنطقة، التي يرتبط وجودها بوجود واستمرار تلك المشكلة، أي ما دامت تلك المشكلة قائمة وساخنة وتجد جمهور طائفيا يتفاعل معها فإن تلك الدول والأحزاب ستبقى نشطة وتهيمن على المال والسلطة، وإذا حدث وخفت حدة الطائفية أوثبت بطلانها وعدم جدواها فإن تلك الدول والأحزاب الدينية الطفيلية ستذوي وتنهار وتختفي من الوجود كما انهارت دولة الكنيسة عندما نجحت حركة الإصلاح الديني بقيادة مارتن لوثر في أوربا. وسيتحقق كل ذلك عند عودة الوعي ويقظة الضمير ونهوض إرادة التغيير والإيمان بأهمية الدولة المدنية التي ستحقق التنمية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي.

فلاح خلف الربيعي

نشر في العالم البغدادية