العراق الجديد دولة من ورق

ما جرى للموصل، لمدن عراقية اخرى تلتها في السقوط في الايام القليلة الماضية كان صادما، بما يحمله من شعور عميق بالاهانة. أإلى هذا الحد كان سياسيو العراق الجديد يضحكون على العراقيين؟ فإذا كان الجيش المليوني الذي انفقت عليه المليارات قد فر خوفا أمام بضعة مئات من الغرباء القادمين في عربات مدنية وهو ما يعني أن ذلك الجيش كان مجرد كذبة فكيف يمكن للعراقيين أن يأمنوا على مصيرهم في دولة، سيكون عليهم مجبرين أن يعترفوا بأسى أنها كانت من ورق؟

لقد أرجأ الطاقم السياسي الذي سلمه المحتل الاميركي مقاليد السلطة في العراق مسألة اقامة دولة على انقاض دولة العراق التي تم تحطيمها ومحو أثرها إلى مرحلة ما بعد حل الخلافات ما بين مكوناته المنقلبة على نفسها. وهي خلافات بنيوية، تذهب إلى جوهر الفكر الطائفي والعرقي الذي يتعارض مع فكرة الابقاء على عراق موحد، تكون المواطنة أساس بنائه.

لذلك لم يكن الجيش الذي تم انشاؤه على عجل ليمثل قوة دفاع موحدة يمكنها ان تقف في وجه التهديدات الخارجية. لقد تم تلفيق ذلك الجيش ليكون حاضنة للعاطلين عن العمل من أبناء الطوائف المتناحرة، من غير أن يتم اختبارهم في سياق عقيدة قتالية تقدم مصلحة الوطن على المصالح الطائفية. كان ذلك الكيان الذي سمي جيشا أشبه بلعبة أطفال ورقية يمكن صياغة أشكالها بطرق متعددة، غير أنها تعجز عن الوصول إلى شكل نهائي، يكون تجسيدا لثباتها.

لقد تم دمج عصابات من المرتزقة متعددة الولاءات في كيان رسمي أطلقت عليه مجازا تسمية الجيش العراقي. لم يكن ذلك الكيان جيشا حقيقيا ولم يكن في إمكان أفراده أن يكون عراقيين خالصين في ولاءاتهم.

ما من شيء في قاموس ذلك الجيش يذكر بالشرف العسكري.

فهل تستحق الموصل أن يضحي أفراد ذلك الجيش بحياتهم من أجلها؟

ما من مدينة في العراق تستحق من وجهة نظرهم تلك التضحية.

إنهم يفكرون بطريقة مختلفة. هي الطريقة ذاتها التي يفكر فيها سياسيو العراق الجديد. وهي طريقة تقدم الطائفة على الوطن والعائلة على الطائفة والفرد على العائلة.

لقد نجح المحتل الاميركي باسناد محلي في انشاء جيش مهزوم، يتمثل وجوده في قهر السكان المحليين من خلال الحواجز والسيطرات التي يقيمها في الشوارع استعراضا لقوته البلهاء أمام المدنيين الذين صاروا أشبه بالرهائن.

ألا يكفي ذلك ليكون سببا مقنعاً في أن يكره سكان المدن التي اجتاحها تنظيم داعش الجيش؟

لقد هُزم الجيش العراقي في أول تجربة قتالية يمر بها. بل أنه هُزم قبل أن يجرب قدراته في القتال وقبل أن ينشب القتال.

وقد يكون مناسبا هنا التذكير بان ما فعله افراد الجيش حين كشفوا عن حقيقة زيف انتمائهم إلى العراق ففضلوا أن يلوذوا بالفرار بحثا عن السلامة الشخصية في أول تجربة اختبار لوطنيتهم سيفعله سياسيو العراق حين يشعرون أن بقاءهم في السلطة صار رهينا بقدرتهم على التضحية. وهو ما لا يقوى أحد منهم عليه.

لذلك لن يكون غريباً أن تشهد الايام المقبلة فرار العديد من سياسيي العراق الجديد.

فبعد أن أضاعوا وقت الشعب العراقي وأهدروا ثرواته في بناء دولة من الورق لن يشعروا بالأسف لما سيخسرونه.

فالمغانم سبقتهم إلى عوائلهم في أوطانهم البديلة.

فهل سيكتفي الشعب العراقي في أن يندب حظه السيء فيضع مصيره مرة أخرى بين أيدي رعاة جدد قادمين هم أيضا من حاضنة طائفية لن تزيد العراق إلا ظلاما؟

ما حدث للموصل، لمدن عراقية تلتها في السقوط كان متوقعا بكل ما سيليه من تداعيات سياسية، هائلة في تأثيرها.وهو ما سيتدعي ولادة وعي شعبي جديد سيكون من شأنه أن يطوي صفحة االمحاصصة الطائفية ليستعيد العراق صورته الحقيقية وطنا للجميع.