العراق الان.. ماذا تريدني ان اكتب ايها المسؤول؟

ايها المسؤول زيارتك عزيزة وتشرفت بك بمكتبي، لكنني لا يمكنني تنفيذ مطالبك بكتابة ما لا يوافق الرؤيا الواضحة لصحافي مستقل من واجباته الاولية نقل الحقيقية كما هي بدون رتوش تجميل.

تفضل بشرب فنجان الشاي، صديقي العزيز، فهو من واجبات الضيافة وان اختلفنا فاختلاف الرأي لا يفسد في الود. انت تعرفني جيدا قبل ان تتقلد منصبك هذا. انني احترم مبادئ عملي. احتسِ ما مقدم لك من شراب وتفضل بالكلام، فلا يعني هذا انني اعطيتك وعدا بالموافقة على ما تريد. لست جالسا بمضيف عشائري بل بمكتب اعلامي وسط مدينة النجف الاشرف وتعد عاصمة التشيع الاسلامي فلا بد لنا ان نحترم هذا المكان ونحترم الاسماء المقدسة من ائمة اطهار وقادة فكر مراقدهم لا زالت شاهدة.

يحمل كأس الشاي (الاستكان بالعامية العراقية) ويوجه لي كفه واصابعه ليريني خواتمه الاثنين المرصعين بالحجر الثمين (الالماس والزمرد) فضلا عن سبحته الكهرب (الكهرمان) مبتسما ويفتح شفتيه بالقول سأشرب. بدأ كلامه تقليديا تعودنا عليه من رجالات الاحزاب الاسلاموية التي تمسك زمام الحكم في العراق منذ اكثر من عقد من الزمن، متعوذا من الشيطان الرجيم مصليا على الرسول محمد واله الاطهار: "انا لست طمعان بمنصب او جاه الا لخدمة الناس وخاصة الفقراء والمساكين منهم." رجل مفردات كلماته لو فحصت كانت تحمل في طياتها الطائفية الدينية بعينها.

"انت صحافي مميز وعملت بمؤسسات دولية وتحمل الفكر التحرري. الانتخابات اقتربت فلابد ان يكون التغيير وان يبتعد الاسلام السياسي عن السلطة ويتسلم الحكم شباب مدني متطلع ولن يحصل هذا الا بمظافرة الجميع وخاصة الاعلام الحر بدعم التيارات والاحزاب والتكتلات المدنية وانا كسياسي اعترف اننا كأحزاب اسلامية اوصلنا البلد الى شفير الهاوية لذا خرجت من تلك الخيمة وانضممت الى تجمع مدني ديمقراطي شبابي ولو كنت بمنتصف الاربعينيات لكني احمل روحا شبابية."

صديقي ايها المسؤول المتحكم بمفصل حيوي بمحافظة لها مكانتها الدينية في العالم الاسلامي وخاصة التشيع منه، المشكلة ليس ابعاد الاسلاميين والمجيء بالدعاة بدولة مدنية ويحملون اسماء التيار المدني وغيرهم من خلال التحكم بآراء الجماهير وقوة التأثير الاعلامية لنتلاعب بآرائهم، بل تكمن بتطبيق القانون والمواطنة الحقة فلا تميز بين دين واخر ومذهب وعرق. الكل له حقوق وعليه واجبات يعيشون بقطعة ارض معينة اسمها العراق.

اذكرك ايها المتأسلم وان كنت سابقا، برواية متواترة وباجماع اهل علماء المذهب عندما كان الامام علي (ع ) في قبضته ثلث الكرة الارضية تقع في امرة حكمه وهو يتجول في اسواق الكوفة ليتفقد احوال الرعية ورأى شيخا كهل يمد يده يتسول المال فتعجب وقال ما هذا اجابه بعض الصحابة يا امير المؤمنين ان هذا من ابناء اهل الذمة يعتنق غير ديننا فكانت قولته الشهيرة "اخذتموه في شبابه وتركتموه كهلا" وامر براتب تقاعدي للشيخ من بيت المال. هذا الضمان الاجتماعي صديقي للجميع دون تميز وانتم ضيعتم هذا.

مئات الاف بل اكثر في شوارع العراق من مختلف الاعمار يتسولون، وعمالة الاطفال التي باتت تهدد مستقبل البلاد بجيل ضائع.

بغضب اكتب عن العراق بلدك والانجازات التي تحققت، عن الديمقراطية عن الحرية ومن حق كل انسان يقول ما يريد دون ملاحقة او ايذاء كما انت تفعل.

الصوت غير المسموع غير محترم فصار اعلامنا في ظل حكمكم ابواق دعاية او مجموعات انتهازية تساومكم على ما تجنونه من اموال غير مشروعة، وانا والمواطن الذي يكتب تضجوره من خلال صفحات التواصل الاجتماعي تعطون الاذان الصماء وكأنكم لا تقرأون ولا ترون.

الاعلام عندما يشخص مشكلة على المسؤول متابعتها وحلها صرنا نحن كمن يصرخ وحيدا في صحراء ولا من سامع ولا مجيب.

يمر الكلام بمجادلات اعتبرها انا عقيمة والتيار الكهربائي ينقطع لاكثر من 15 دقيقة ويأتي لدقيقتين وانا احتسي كأس الشاي بدرجة حرارة تفوق الـ50 درجة مئوية فتنفتح قوارحي: اصمت كفاك كلاما زيفا عن منجزاتكم.

عن ماذا تريدني اكتب؟ العراق الان خارج المنظومة الدولية، انه بلد في وضع استثنائي. عن أي تجربة ديمقراطية تتحدث، عن فساد صعد صيته الافاق، بل صار حالة ثقافة مجتمعية عن هدر الاموال في مشاريع وهمية، ام صرف اكثر من عشرة مليارات دولار للمنظومة الكهربائية ولا زال العراق في عتمة وظلام.

ام اكتب واشخص هروب المسؤولين الفاسدين منذ عام 2003 الى الان خارج العراق لانهم من مزدوجي الجنسية وأخرهم محافظ البصرة.

بفمك ادينك ايها المسؤول. عضو البرلمان حنان الفتلاوي زميلتك كشفت عن امر احببت الكتابة عنه لكني خفت على نفسي وضياع عائلتي. حتى حجاج بيت الله لم يسلموا من سرقة اموالهم. مئات الموظفين من هيئة الحج والمسؤولين سنويا يذهبون للحج مجانا بتكلفة تصل الى 6 مليار دينار عراقي. وهنالك بيوت عشوائية في مدينة البصرة تهدم على رؤوس ساكنيها من الفقراء ومعدومي الدخل وتحويلهم الى مشردين.

العراق الان خير وسيلة للكلام هي الصمت فالعالم بات يعرف مأساة شعبنا ولا داعي ان نتحدث لتلقى جثثنا مقتولة غدرا في المزابل.