العراق: الأحزاب الإسلامية ومشروع الدَّولة

الافتقار للعقل السياسي البناء

تتراجع الاحزاب الإسلامية في العراق يوماً بعد اخر، في تقديم مثال حقيقي للدولة النموذجية الناجحة، القادرة على السير بتطلعات المجتمع العراقي الى الامام، بحيث تصل الى مشروع الدولة الناجحة المنسجمة، منهجا وفكرا وسلوكا، مع التطلعات المنبثقة من الإسلام الحقيقي.

فعلى الرغم من تصدي الاحزاب الإسلامية ودخولها بقوة للعمل السياسي في البلاد، واستلامها زمام الأمور، وتصديها للحكم وقيادة العراق خصوصا بعد العام 2003، واستمرارها إلى يومنا هذا ضمن نطاق السلطة السياسية، وغياب مفهوم الدولة عن حركتها داخل المجتمع ضمن محاوره الثلاث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ فالاهتمام بالجانب السياسي والرغبة في إنزال اقسى الخسائر بالخصوم ابعدها نوعا ما عن نهجها الإسلامي الاصلاحي المرتبط بالثلاثية الأساس، فكانت حصتها من ذلك التراجع المزري في تقديم نظرية حكم اسلامية تتناسب والوضع الفكري المرتبط بها، وبالشعب الذي تحكمه، وينتظر منها تقديم المزيد من المعطيات المنتجة للدولة النموذج التي تتفاعل بديناميكية عالية مع المتغيرات الزمكانية والتحديات المفروضة على ارض الواقع.

اذ لدينا 43 حزبا اسلاميا سياسيا، تشترك في العملية السياسية في العراق، ستة منها تدير نظام الحكم في العراق بصورة مباشرة، لكن التراجع والاضمحلال التدريجي كان نصيبها، وان العجز عن تقديم مشروع تطوري ينتهي عند دولة تنبثق من رؤية معرفية على المدى البعيد، اختفت من سلوكياتها نوعا ما، نعم ثمة محاولات فردية تدخل ضمن هذا الاطار لكن اتجاه الحكومة والشعب سواء (سلوك المواطن) ،(منهج المجتمع العام) او (الرؤية الواسعة للحكومة) وانفتاحها على الشعب تلبية لطموحاته في الرقي والإزدهار، تغيب نوعا ما عن التوجه العام والمسار الشامل في حركية الحكومة والمجتمع، وربما كان أثر الضغوطات الامنية، والمشاكل الكبيرة التي عصفت بالبلاد سببا مباشرا في احـداث هذا التراجع المخــل، فضلا عن التراجع والاضمحلال في انتاج نظريات منبثقة من وعي معرفي اصيل قابل للتطور، واستيعاب التغيرات المفاجئة التي من الممكن ان تغزو المجتمع على المدى القريب او البعيد، فتغرقه في مشاكلها فتكون معوقا مهما من معوقات بناء الدولة النموذج.

ان وجود الاحزاب الإسلامية في عمق المجتمع العراقي واحتوائها لجميع الطبقات الاجتماعية ووقوفها عاجزة عن تغيير تطلعات المجتمع او حتى قيادته الى بر الامان، بعيدا عن العواصف السياسية والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وعملها كمنظومات سياسية تخطط للاستيلاء على السلطة بأي شكل على وفق منهج "الغاية تبرر الوسيلة"، وهكذا الحال في ادارة صراعتها مع خصومها السياسيين، بميكيافيلية متطرفة تكاد لا تفارق الأحزاب الإسلامية في العراق، ادى الى تنامي التيارات الليبرالية والأحزاب العلمانية، والحركات ذات الثقافات السياسية المستوردة، وظهور اجنحة سياسية للمنظمات الارهابية لاستثمار الضغوطات الارهابية من اجل الحصول على مكاسب محددة. هذه النظريات السياسية الجديدة مرت على العقلية المجتمعية الإسلامية بسلام، ووجدت حيزا ونفوذا لها في العراق اكثر من غيره من البلدان.

فاصطبغت الأحزاب الإسلامية الموجودة على الأرض، بفعل الاعلام وسياسة التغيير الايديولوجي الانعكاسي، على الرغم من ازدواجيتها في الطرح الفكري ضمن مجتمع مسلم، فاعتمدت آلياتها في الصراع واثبات الوجود بناء على الفعل وردة الفعل المماثلة، فأبعدتها هذه الخطوة عن نهجها الذي كان من المفروض ان تتخذه خطا لها، تصحح مسارها وفقا له بين الفينة والأخرى، كما كانت السرعة الفائقة في تغيير الوعي المعرفي للمجتمع، والاستجابة المباشرة، وغير المباشرة، غير المرضية للتحديات المفروضة من الخارج، او المتولدة من الداخل، وعجز هذه الاحزاب الإسلامية عن انتاج نخب فكرية تمنهج الكيفية، التي من خلالها تخترق التبدلات المفاجئة في الساحة السياسية.

فتفتتها لمصلحة المجتمع لدعم مشروع بناء دولة تتوافق فيه (الحكومة والشعب) لينطلق كلاهما من منطلق واحد للبناء الثلاثي الابعاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي و(هذه الثلاثية المنتجة للوعي المعرفي تعتبر الاس في بناء القاعدة الصلبة للدولة) لأن الوعي المعرفي بدوره هو المنتج الاول للدولة الحقيقية الخام القابلة لاستيعاب الاحداث المعاصرة، وخلق حالة طرد للضغوطات المتأتية من الخارج او الداخل، بحيث تصبح الأحزاب السياسية الإسلامية منتجة لمشروع دولة في وجودها الداخلي (نطاق الحزب والخلايا المرتبطة به من جهة)، و(وطرح مشروع تنفيذي للكيفية التي من خلالها يتم تمرير مشروع الدولة النموذج القابلة للتطور الثلاثي الابعاد).

قضيتان مهمتان

• اختيار القيادة الصالحة المنتجة لمفهوم الدولة وهذا مرتبط بـالفرد والمجتمع العراقي، الذي يعتبر مسؤولا عن تقرير نوعية نظام الحكم سلبا او ايجابا، فلا تحدث عملية التحجر في مسيرة المجتمع وحاكمه نحو بناء الدولة الا بعد تهيئة الارضية الخصبة لنمو التحجر والتقوقع ضمن الظروف المفروضة بعجالة على المجتمع والحاكم، والعكس هو الصحيح، فالدولة النموذج لا تنثر بذورها الا في مجتمع يفهم دوره الرقابي والعقابي في المنظومة السياسية المعاصرة، وفلسفة هذه المساحة الحركية المتروكة شرعا للامة تكمن في ايجاد صيغة تربوية اسلامية متفردة ترتقي بوعي الفرد الى مستوى المشاركة في صنع الواقع بأدق تفاصيله، والزاحفة الى قلب نظام الحكم وصياغة اسسه الممهدة لبناء الدولة بشكل تدريجي، لان الوضع الحالي لا يسمح بتحركات تخلق تناقضات جديدة، تستفيد منها الخلايا النائمة الموالية للجماعات المتطرفة.

ولي فقيه حزب الدعوة له اثنى عشر مكتباً داخل العراق

• الشعب والدولة توأم لا يفترقان وبين الحزب السياسي الإسلامي في العراق من جهة، والشعب من جهة أخرى، طلاق معرفي، وهذا لا يسهم في بناء الدولة؛ فالشعب في المنظور السياسي الإسلامي انما هو شريك الحاكم في مسيرته لبناء الدولة، لأنه يحدد مساراته في المجتمع، بعيدا عن حالات التآمر، او التسلط، او الدكتاتورية، وتتم ادارة هذا التوجه نحو الدولة بتوفير الحاكم للقناعة التفصيلية للنخبة الصالحة من الشعب، او السماح بتوفير قناعة تفصيلية للنخب الصالحة، وترك الخصخصة النخبوية، لأنها تحطم الدولة وتحيلها ركاما، وطرح مشروع النخبة الصالحة التنويرية قيد التطبيق، لتتبنى النخبة الممارسات القيادية المجتمعية المنبثقة من ثلاثية الدولة اقتصاد؛ اجتماع؛ سياسة، وبذلك يتحول التحرك القيادي من الحاكم ومزاجاته الى المجتمع وطموحاته للبدء بتنفيذ نظرية (الدولة النموذج) فكلما زادت سلطة الشعب اختفت احتمالات الاستبداد، وبدأ مشروع الدولة يظهر الى السطح، وكلما توارت سلطة الشعب طفح الاستبداد الى واجهة الاحداث فتحولت الدولة الى حلم ضاع بين جموح المستبد وخنوع المستبد عليه.

الحلول المقترحة

ينبغي عندما نفكر في البدء بمشروع دولة، ان نأخذ بعين الاعتبار النقاط الآتية:

أولا: ترسيخ ثقافة معرفية ذاتية، تتبنى بلورة ثقافة مجتمعية لها القدرة على تقبل النظريات وتحليل المتغيرات الزمكانية، من دون اية مشكلة معرفية مرتبطة بثقافة المواطن.

ثانيا: اشراك النخب في صناعة القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، للتمكن من احداث نقلات وعي (اجتماعية) أكثر تطوراً، تتحلل خلالها المشكلة الاقتصادية للفرد، ليرتقي بوعيه الاجتماعي، ثم بلورة احساسه بالمواطنة بدلا من الاستعباد، ثم دخوله سليم فكريا لأداء دوره الرقابي والعقابي المرتقب والمؤمل تأديته على الارض.

ثالثا: على الإسلام السياسي المعاصر وتحديدا الأحزاب السياسية الإسلامية في العراق، وبالأخص تلك الماسكة بزمام الامور ـ لأنها تمتلك الوسائل ـ ان تعيد توجيه منظومتها الحزبية لتضمين الجوانب الثلاث (اقتصاد ـ اجتماع ـ سياسة) لتتحول حركتها الى منظمة تفاعلية ديناميكية اصلاحية في المجتمع.

رابعا: معالجة نظريات التغيير الايديولوجي المميتة للشعوب، سواء المرتبطة بمؤسسات معادية خصوصا تلك التي تدير ملف الارهاب، وآلية انتقاله من منطقة عالمية الى اخرى، لأنها تقف بالضد من مشروع بناء دولة نموذج منبثقة من المجتمع، كونها تحطم مسار المخطط الامني المضاد، كما انها تعترض المسارات الثلاثية لاستحداث بيئة ملائمة للإرهاب وهذه معادلة معقدة للغاية، تحتاج الى خبراء مخلصين ونخب وطنية فذة تخطط وتمنهج التحرك لمعالجة هذا الموضوع معالجة ختامية.

خامسا: اعادة تنظيم مؤسسات الدولة ووزاراتها، وجعلها اكثر مرونة، بحيث تتجه الى احداث تغيرات كبيرة في عملها؛ تتبنى من خلالها وضع الآليات اللازمة لمشروع المواطنة الضرورية لتطبيقات الدولة على ارض الواقع.

سادسا: توجيه النخب لتقديم مشاريع اصلاحية، وتفعيل ودعم مراكز الابحاث الستراتيجية، ومنظمات المجتمع المدني لتخترق الشارع العراقي، مشخصة مكامن السلب والايجاب، لاستئصال السلب، وايقاف سمومه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والنهوض بالإيجابيات للارتقاء بها وتفعيلها ميدانيا.

أحمد المسعودي

باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية