العراق: أطفال الفسفور الابيض.. جريمة مسكوت عنها

بقلم: د. فاضل البدراني

لكثرة الجرائم والمشكلات التي تمس حياة الانسان والمجتمع اسدل الستار عن جريمة الولايات المتحدة الاميركية عندما استخدم جيشها الفسفور الابيض بالفلوجة في تشرين الثاني/نوفمبر 2004، واصبح شأن الناس وظروفهم بيد قوى الدمار الدولي كونها هي من يفتعل ما يغطي على الجريمة السابقة ليصبح مسلسل الجرائم مادة استهلاكية تتداولها الناس في احاديثهم او عبر صفحات الصحف وشاشات الفضائيات كظاهرة من سمات عصرنا المعقد، وهذه نظرية اعلامية نجحت في ابتكارها الولايات المتحدة منذ زمن بعيد بدأ بجريمتها السابقة عندما استخدم جيشها القنابل النووية ضد هيروشيما وناغازاكي باليابان اثناء الحرب العالمية الثانية 1939 1945، وما تزال اثارها الانسانية ماثلة للعيان حتى اليوم.
خلال الاسبوع الماضي نقلت قناة 'الشرقية' الفضائية تحت عنوان 'اطفال الفسفور الابيض' في برنامج عن الشأن العراقي ما يثير الفزع لدى المشاهد، ذلك الموضوع دفعني لزيارة مستشفى الفلوجة وكذلك زيارة مستشفى طالب الجنابي الاهلي والوقوف عند ادق التفاصيل حول تأثيرات الفسفور الابيض الذي أستخدمه الجيش الاميركي في معركة الفلوجة الثانية 2004 رغم انني وثقت بعض هذه الصور التي عرضتها القناة في زمن سابق، انما الغريب في الموضوع بعد الزيارة وجدت ما يقلق ضمير الانسان بعد ان اطلعني الدكتور طالب الجنابي في مستشفاه الاهلي على وثائق تشمل صورا واسماء وعناوين ووصف لولادات خاصة جاءت مشوهة واخذت تزداد يوما بعد اخر سيما وان حالة التوثيق عندهم تحديدا بدأت في 23 حزيران/يونيو 2006 وحتى يومنا هذا.
في هذا المجال يقول الدكتور الجنابي اننا في السنة الثانية التي اعقبت معركة الفلوجة كنا نشهد حالة او حالتين بالاسبوع لكن تغير الظرف الصحي بالمدينة واصبحنا نشهد ثلاث حالات وربما اكثر بالاسبوع في السنوات الثلاث الاخيرة ويبقى هذا العام 2010 الاكثر خطورة على الطفولة بالمدينة بعد تزايد الولادات المشوهة. ولقد أدهشني تقرير موثق بالصور لاطفال احداها بعين واحدة والثانية بطرفين ملتصقتين ويطلق عليها 'حوت البحر' والثالثة برأسين والرابعة تظهر طفل بدون غشاء بطن فقط الاحشاء والقلب يظهر لك وهو يعمل حسبما هو في الصورة المتحركة ولا اريد ان اقول الخامسة لان الارقام لا تحصى ولا تعد او تحتاج لوقت طويل لكي تحصى ولكني وللاختصار اقول تجاوزت الالف حالة وانا والله متواضع بهذا الرقم، وحسب تأكيدات الاطباء بان ما يظهر لهم في الولادات الحديثة اليوم شيء لم يكن مألوفا في الطب سابقا وربما قرأوا عنه في اشارات محددة من كتب الطب لكن ليس بهذه البشاعة وهي حالات نادرة ولم تسجل مستشفيات العالم مثيلا لها مطلقا فقط في هيروشيما التي عدت منكوبة، وهذه المعلومات نقلت لنا من اطباء يملكون تجارب غنية بالطب وشهادات عليا.
اكثر من الف حالة موثقة في مستشفى الدكتور طالب الجنابي الاهلي بالفلوجة وهو لا يساوي من حيث الشهرة والامكانيات ما يملكه مستشفى الفلوجة المركزي لكن الاخير لم يقم بتوثيق مثل هذه الحالات، لكن تأكيدات وشهادات الاطباء فيه تشير الى نسب كبيرة من الحالات تمر عليهم ولم توثق فعلا، بينما يقول اطباء مستشفى طالب الجنابي الاهلي ان الكثير من الحالات المتشابهة لم توثق بمعنى تكرار اكثر من حالة ولادة طفل بعين واحدة او بدون مخرج او باطراف متلاصقة او برأسين او بدون فم او بدون انف وغيرها يوثق لها نموذج واحد فقط لكثرت التكرارات.
اللافت للنظر لهذه الاشكالية الانسانية أن غالبية العائلات على رغم ما تفاجأ به بطفلها المشوه، فأن همها يبدأ بكيفية التخلص منه وتنتابها السعادة عندما يفارق الحياة من دون تدخل، فيما وقفت هذه الاشكالية أمام عديد العائلات الفلوجية للعزوف عن الانجاب.
ودفعت هذه القضية الاهالي للاستفسار من الجهات الطبية والصحية عن الاسباب ورغم وجود اكثر من سبب منها استخدام العقاقير الطبية في الاشهر الثلاث الاولى للحمل بشكل سلبي او امراض تعتري الام خلال فترة الحمل وغيرها، لكن كل الترجيحات تؤشر تعرض بيئة الفلوجة لاشعاعات كيمياوية واسلحة فسفور ابيض من خلال تحليلات طبية لمنظمات دولية ومحلية مختصة، وهو موضوع اعترف في ارتكابه الجيش الاميركي عام 2005. ومن مؤشرات الوضع الصحي المقلق تزدحم الان مستشفيات العراق والاردن وسوريا والهند بالمرضى العراقيين كبارا وصغارا من المصابين بالاورام السرطانية بشكل لو تكلفت منظمات انسانية مختصة باجراء دراسات طبية عنه لكان امرا مخيفا قد يصل الى حد تحريم السكن بهذه المدينة مثلما قال احد الاساتذة في جامعة طب بغداد باعتبارها مدينة منكوبة. د. فاضل البدراني
كاتب وصحافي عراقي fmh1966@yahoo.com