العراقيون يمضون عيد النوروز في الملاجئ

بغداد - من سعد حتر
الاحتفال بعيد النوروز بات حلما عند العراقيين

عادة يخرج العراقيون للاحتفال بعيد النوروز على ضفاف دجلة والفرات للاستمتاع بحلول فصل الربيع وسط الورود والمروج الخضراء، غير أنهم أمضوا عيد الربيع هذا العام (الجمعة) وسط الشموع والتهجد في الملاجئ في وقت دخلت الحملة العسكرية الاميركية على البلاد يومها الثالث.
وقد درج العراقيون منذ عشرات السنين، عندما تدخل الارض في مرحلة الاعتدال الربيعي، على التزاحم لقضاء أوقات المسرة في الخلاء لاقتناص لحظات الفرح بين الطبيعية الخلابة. أما هذا العام فالفرح كان غائبا.
وقالت أم أحمد المتشحة بالسواد "ليس للعراقيين مزاج للفرح وهم يتوقعون الموت في أي لحظة." وبالتالي، فضلت هذه المرأة الخمسينية البقاء مع أفراد أسرتها وبعض الجيران في الملجأ بين أكوام الغذاء المعلب وتنكات الوقود التي خزنت تحسبا لانقطاع الامدادات تحت القصف.
مازن حمود، الذي شهد ثلاثة حروب، يقول أن الاولوية باتت بالنسبة للعراقيين "البقاء على قيد الحياة، وتأتي البهجة لاحقا."
على أن الكثيرين حاولوا مواصلة حياتهم تاركين جرعات القلق لليوم التالي.
يوسف، البالغ من العمر خمسين عاما، خلد للنوم مساء الاربعاء، قبل ساعات من انتهاء إنذار الرئيس الاميركي بوش إلى الرئيس العراقي بمغادرة البلاد.
يقول يوسف أن نجله حسام العشريني، الذي تركه يتسلى بلعبة كمبيوتر عن حرب النجوم، أيقظه فجر الاربعاء قائلا له "أبي لقد اندلعت الحرب." عندما استفاق الاب نام الابن متثائبا بفعل طول الحرب الالكترونية على الحاسوب.
وبانتظار ساعة الصفر، ربط أحد الصحفيين المنبه على الساعة الثالثة والنصف فجرا، قبل ثلاثين دقيقة من انتهاء مهلة الانذار، حتى يتمكن من متابعة تداعيات الحرب فور اندلاعها. وعلق صحفي آخر على ذلك بالقول "وكأن فرقعة القذائف بحاجة إلى منبه؟."
وكانت الادارة الاميركية قد توعدت بشن حرب "دوت كوم" ضد العراق يتم تحريكها بكبسة زر، لكن في العراق ثمة محاولات للتأقلم مع الحروب جيلا بعد جيل.
فها هي امرأة في الثانية والعشرين من عمرها تدعى حربية، ولدت هي في غمرة الحرب العراقية-الايرانية (1980-1988)، وضعت مولودا هذه الايام أسمته "حرب؛" وقد حصلت عملية الولادة داخل سيارة مسرعة لم تتمكن من الوصول إلى المستشفى بسبب أحوال الحرب، حسبما قال أحد الجيران.
وهناك بعد عقدين في الاسر لدى إيران، عاد الاسبوع الماضي 395 عراقيا إلى بلادهم بحثا عن السعادة وهربا من البؤس، وذلك في إطار عملية تبادل الاسرى، لكن هؤلاء الرجال خرجوا من حرب الخليج الاولى لتتلقفهم حرب الخليج الثالثة.
وكانت حرب الخليج الثانية، التي أطلق عليها العراق "أم المعارك،" قد وقعت في شباط/فبراير 1991 عندما أخرج تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة القوات العراقية بعد ستة أشهر من اجتياحها للكويت.
واليوم يمتلك معظم العراقيين سلاحا شخصيا إما عن الطريق الشراء أو من السلطات التي وزعت غالبية القطع على رجال العشائر ومنتسبي الحزب الحاكم منذ 35 عاما.
وتتصاعد تعبئة الحرب الكلامية بين الجانبين. ويبدو أن الهدف هو أضعاف معنويات الطرف الاخر.
وحذر الرئيس العراقي خلال اجتماع لمجلس الوزراء بحضور قائد القوة الجوية من محاولات الولايات المتحدة وبريطانيا "التشويش على الحقائق بهدف إضعاف الروح المعنوية."
ويعمل العراق على استثارة المشاعر الدينية والقومية، وطنيا وعلى الساحتين العربية والاسلامية من خلال سلسلة رسائل متلفزة للعديد من رجال الدين المسلمين والمسيحيين.
ويواكب ذلك أغاني وأناشيد وطنية يظهر فيها الرئيس العراقي إما ممتطيا صهوة جوده أو مستلا سيفا أو ملوحا ببندقية.
ويلح السؤال على الكثير من العراقيين، متى يسدل الستار على البؤس ويخرج الجميع للاحتفال بقدوم الربيع إلى بلادهم؟