العراقيون وهاجس التغيير

سألنا مرة البروفسور لارش بيرغ عن الثورة الفرنسية والأسباب الاجتماعية التي ساعدت في نشوب تلك الثورة، وما الفرق بين فرنسا التي اشتعلت بها الثورة وجارتها بريطانيا التي لم تنشب بها الثورة بالرغم من أن بريطانيا كانت تعيش ظروفا ً اجتماعية أسوأ بكثير مما كنت تعيش بها فرنسا. لم نعط جوابا ً شافيا ً للبروفسور لارش فرد علينا بأن الشعب البريطاني كان يعيش حالة الحرمان التام حيث كان الفقر ينهش المجتمع البريطاني بكل فئاته وطبقاته فيما كان الفرنسيون يعيشون حالة الحرمان النسبي بتمتع طبقة الأمراء والنبلاء بالاتفاق مع الكنيسة بخيرات الشعب الفرنسي ليأكل باقي الشعب الفتات الذي لم يجده أخيرا ً فثار على ملكه لويس السادس عشر ليبدأ بعدها عصر الجمهوريات في فرنسا.

تذكرني فكرة الحرمان النسبي بالثورة المصرية حيث كان أحد أسبابها العامل الاقتصادي وتحديدا ً زيادة سعر رغيف الخبز الذي أضر الغالبية العظمى من الشعب فيما كانت تتمتع الفئة القليلة الباقية بثروات الشعب المصري. لقد حدث هذا التغير في الفوارق الطبقية في مصر منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي حين أعلن السادات أن مصر ستدخل عصر الإنفتاح الاقتصادي والباب المفتوح بإنضمامها لمعسكر الدول الليبرالية الرأسمالية. لقد أنتظر المصريون أكثر من ثلاثة عقود ليعلنوا ثورتهم بمساعدة مواقع التواصل الاجتماعي التي هيئت أرضية مناسبة لتلاقح الأفكار وبناء رأي عام وخطاب بالضد من الخطاب الرسمي الذي كانت تنتجه الحكومة المصرية بوسائل إعلامها التي تسيرها كما تشاء.

يتحدث العراقيون كثيرا ً هذه الأيام عن التغيير السياسي مستخدمين مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة فعالة لإنتاج خطاب يخالف الخطاب الحكومي الرسمي من جهة ويخالف خطاب الأحزاب الدينية التي تسيطر على الفضاء العام بفضائياتها المدعومة أقليميا ً كوسيلة لمحاكاة التجربة المصرية. تبدو كلمة التغيير حالة من حالات الترف التي يحلم بها العراقيون كل يوم. فالعراقيون مصابون بالإحباط من الحال المزري الذي يعيشون فيه من فشل سياسي وفاقة اقتصادية ونقص بالخدمات تبدأ من نقص الكهرباء في عز الصيف اللاهب ولا تنتهي بفقدان شبكة الصرف الصحي والعيش في العشوائيات. يقول علماء النفس أن الفشل يولد الإحباط والإحباط يؤدي بالضرورة للعنف، نعم العنف ضد النفس والعنف ضد الآخر المختلف. أن العنف هو السمة المميزة التي تميز الحدث العراقي بكل تفاصيله حيث يتخذ عناوين مختلفة كالعناوين الطائفية أو الحفاظ على الأخلاق أو حتى عنف الدولة تجاه مواطنيها. ولكن، لماذا لا يحلم العراقيون بالتغيير وهم يعيشون حالة الحرمان النسبي بعد سيطرة ثلة من السياسيين على ثروات البلد بمرتبات فلكية تفوق الخيال فضلا ً عن إرتباطهم بمافيات الفساد المستشري في جميع مرافق الدولة ومؤسساتها، هل العراقيون بحاجة أن ينتظروا ثلاثة عقود ليثورا كما ثار ويثور المصريون من قبل؟

من الخطأ مقارنة الوضع المصري بالوضع العراقي فالظروف والسياقات الموضوعية والتاريخية تختلف إختلافا ً جذريا ً بين البلدين، فالوضع العراقي أعقد بكثير من الوضع المصري مع وجود الانقسامات الطائفية بين المكونات السياسية. ليس هذا فحسب، فالثورة المصرية لم تكن في يوم من الأيام ثورة للجياع فهي ثورة من أجل الحرية والمساواة والديمقراطية قام بها شباب من الطبقة الوسطى يحملون معهم قيم المدينة، حيث كان التغيير بمساعدة الجيش المصري وهو مؤسسة عقائدية عريقة وغنية ولاعب أساسي في المشهد السياسي المصري. لقد نظم هؤلاء الشباب أنفسهم بإنتاج خطاب شعبي مواز ومختلف عن الخطاب الرسمي منذ عقد من الزمان بوجود هامش من الحرية السياسية في عهد مبارك. فقد قامت حركة كفاية وحركة السادس من أكتوبر باستقطاب الشباب المصري من كل الاطياف والأديان والخلفيات الاقتصادية والاجتماعية والأيدلوجية ومن كلا الجنسين، بإستثناء الأخوان المسلمين الذين كان لديهم تنظيمهم الخاص بهم. لقد بدأ هؤلاء الشباب بتنظيم العمل السياسي بأهداف واضحة عابرة لكل الطوائف والقوميات والأيدلوجيات حتى أشعلوا الثورة التي لم يجنوا ثمارها بإعتبارهم الأقل تنظيما ً بين اللاعبين الرئيسيين فيها.

أما الوضع في العراق فتحكمه المحاصصة الطائفية وجيش إحترافي ليست له عقيدة محددة وطبقة وسطى سحقها حصار أقتصادي دام أكثر من عقد من الزمن مع موت للحياة السياسية في زمن النظام السابق والتي أسست لقطيعة في العمل السياسي جعلت من الهواة والمراهقين السياسيين لاعبين أساسيين بمساعدة الأميركان ودول أقليمية لها مصالح في العراق.

ولكن، ما هي أهداف العراقيين من التغيير؟ أن كانوا يريدون الحرية والديمقراطية فقد حصلوا عليها بمساعدة الأميركان، فلماذا يريدون التغيير وماذا يبغون منه؟ نعم، أن التغيير حالة ضرورية وطبيعية حتى في أكثر الدول نجاحا ً فكيف والعراق من أكثر الدول فشلا ً في العالم. يريد العراقيون القضاء على الفساد وإصلاح العملية السياسية برمتها، يريدون الخدمات وتوزيع عادل بالثروات، وأنا أعتقد أن تلك الأسباب يمكن أن تكون كافية لصياغة خطاب عابر للطوائف بعيدا ً عن العنصرية القومية والطائفية والمناطقية. لا يريد العراقيون الحرية والديمقراطية لأنها ستأتي بنفس الأشخاص الذين يحكمونهم الآن ولكنهم يريدون اصلاحيا ً سياسيا ً يتبعه اصلاح اقتصادي واجتماعي.

إذن، إن كانت الثورة المصرية هي عملية للتغير من خارج بنية الدولة ومؤسساتها، فالعراقيون بحاجة للتغير من داخل البنية السياسية ومؤسسات الدولة وأي حديث عن تغيير من خارج تلك البنية فسوف لن يكون صادقا ً وسيكون تابعا ً لأطراف أقليمية لها مصالحها الخاصة. أن وجود مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون بداية جيدة لنشاط سياسي يدعو إلى اصلاح العملية السياسية بمحاربة الفساد والحيلولة دون وصول الطائفيين لمراكز صنع القرار السياسي وتوضيح عوامل مهمة أثرت سلبا ً على حياة العراقيين منها العدالة الاجتماعية أبتداءً من تخفيض رواتب النواب وباقي السياسيين وليس إنتهاءً بإنصاف المحرومين الذين لايملكون لقمة العيش أو مؤوى للسكن فيه بإصلاح قانون الضمان الاجتماعي، وتوضيح علاقية الدين بالدولة والحد من هيمنة الحكومة على بعض مرافق الدولة ومؤسساتها التي يجب أن تكون مستقلة كشبكة الإعلام العراقي والبنك المركزي أو بعض المؤسسات القضائية، معالجة الملف الأمني بتغييرات استراتيجية تحول دون تمكين الإرهاب من المجتمع العراقي. تلك فقط بعض الملفات التي يجب أن تعالج بحدوث التغيير ويوجد غيرها الكثير. نعم، ربما التغيير يحتاج للكثير من الوقت لكن بداية التغيير حالة ضرورية وصحية وهي بحاجة لأهداف واضحة ومحددة وواقعية بعيدا ً عن الإشارات الطائفية والقومية والطبقية لتكون أنطلاقة جيدة لتوحيد الصف الوطني الذي لايوحده غير نقص الخدمات على جميع المستويات!