العدوان الإسرائيلي: أسئلة ساذجة. . فمن يجرؤ على الإجابة؟

عجب عجب هذا الزمن الرديء لا يُعرف من يحاسب من، ومن باستطاعته التطاول على من؛ وكأنك تستمع إلى جوقات زجل، فيها من التحدي والإثارة ما يبكي ويضحك في آن معا. كثيرون خرجوا من جحورهم بعدما توهموا أن نشوة النصر آتية على الدبابة الإسرائيلية، ولا ينقصهم سوى ساعات لقطف ما يحلمون به. لقد تناسوا أن المعركة في بدايتها وأن المفاجآت لم تأت بعد.
يفرقون بين حق المقاومة وشرعية تنفيذ أعمالها تارة، ويفرقون بين التوقيت وإعلام الغير تارة أخرى، لا يعرفون من أين يبدأون والى أين هم ذاهبون، يتخبطون تخبط المتعلق بحبال الهواء علهم ينجون. ينتظرون إشارات الخارج بلهفة المخنوق وهم لا يعلمون ولا يعرفون. يطالعونك بخطابات تشد أزر المعتدين ويعتقدون بأنهم إلى النصر هم ذاهبون. يهددون ويتوعدون بالويل والثبور وعظائم الأمور ولو لأجل محدود، . يتذرعون بأن الوقت ليس للنقاش بسبب العدوان، وأن الغد آت وسيحاسب من جر البلد إلى الويل والدمار بالمغامرات والمقامرات. يتعففون عن كلام الفتن وتأجيج العواطف الطائفية والمذهبية وهم فيها سائرون قصدا لا عفوا فإلى أين المسير؟
وبمقدار الأسئلة الخبيثة - اللئيمة من حق الآخرين طرح أسئلة وان كانت ساذجة - قاسية علهم يرتدعون، فمن أين نبدأ والأسئلة تطول بطول عمر النفوس المهزومة لدى كثيرين في أقلية باتت لا تجرأ على القول ما تريد، فتأوِّل الكلام علها تصيب.
بداية هل كانت الأمم المتحدة بشكل عام ومجلس الأمن بشكل خاص جاد في حل النزاعات الإقليمية والدولية؟ وهل الصراع العربي الإسرائيلي نال القسط الوافي من الاهتمام لحله على مدى أكثر من نصف قرن ونيف؟ وهل يدرك من يتساءل أن أكثر من نصف قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة بالصراع العربي الإسرائيلي هي في الفصل السادس وبالتالي فهي غير ملزمة؟ وهل يدرك من يتساءل أن ليس في هذه القرارات أي قرار في الفصل السابع؟ وفي الإطار نفسه بماذا قامت الأمم المتحدة من دور بعد أي عدوان نفذ على لبنان؟ هل يعلمون أن مهمتهم كانت فقط تقتصر على عد الاختراقات والقذائف والمجازر؟ وهل يعلمون أين كان ضحايا مجزرة قانا؟ هل يعلمون أنهم كانوا في عقر مقر الطوارئ ظنا منهم أنهم في أمن وأمان؟ وهل يعلمون أن مجزرة مروحين كان سببها قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة بعد رفضهم استقبال النازحين؟ وهل يعلمون أن مجلس الأمن في اجتماعه الأخير رفض وقف إطلاق النار في لبنان بهدف إعطاء الوقت المستقطع لإسرائيل لتتابع مجازرها وإبادتها للشعب اللبناني دون تفرقة بين مقاوم أو غير مقاوم وحتى بين مقاوم ومن يعاديه؟ وها هي تستعد لإيفاد بعثة للاستطلاع وبمواقف وشروط إسرائيلية فيما الواجب يقتضي سماع كل الإطراف قبل أخذ الموقف والقرار؟ وأخيرا ماذا فعلت بقضايا الأسرى في إسرائيل تحديدا؟أسئلة تطول بطول عمر الأمم المتحدة ودورها الميمون؟
يسألون ويتساءلون عن شرعية وحق المقاومة في تنفيذ عملية أسر الجنديين الإسرائيليين. فهل أن عمل المقاومة ينبغي فيه الإعلام المسبق عن أي تحرك أو عملية يمكن أن تنفذ؟ وحل يعلمون أو يعلمون ويتجاهلون بأن سر نجاح المقاومة هو في سريته وعدم علانيته؟وهل كانوا ينتظرون مثلا تقديم طلب إلى مجلس الوزراء، وإذا كان المقام لا يليق فهل يقدم الطلب إلى وزارة الداخلية بأن جنودا إسرائيليين سيمرون في الوقت التالي وإننا سنأسرهم فهل ستسمحون؟ وهل تناسوا أن احد الأمور المتفق عليها أصلا في مسلسل الحوار اللبناني الطويل أو القصير لا سيان، إن استرجاع الأسرى اللبنانيين أمر منه مفروغ؟ وهل تناسى البعض أن هذا الأمر نص عليه البيان الوزاري قبل الحوار وقبل بعض المتحاورين؟ وهل قام احد بعمل لاسترجاع الأسرى ومنعه احد آم الذين يتنطحون للأعمال الدبلوماسية هم من نجاحهم متأكدون؟ وإذا كان الأمر كذلك لماذا انتظروا وهم يسمعون بآذانهم الصماء كل يوم عن عزم المقاومة بأسر جنود إسرائيليين؟
ألا يعلمون أن المقاومة فاوضت بأشلاء جنود واسترجعت ما عجزت عنه جحافل العرب والجنود؟ لماذا اليوم تطلق رصاصات الغدر أليست هي لمصلحة العدو كما هم يدَّعون؟ ومن أين أتت الحماسة للدفاع عن مصلحة لبنان وتحديد مواقيتها ومواعيدها؟ هل من احد منع المتحمسين وأصحاب الهمم والشهامة والمتوعدين؟ ألا يكفي التنصل من المسؤولية وعدم العلم بالعملية هي الشهامة والهمة؟ ومن طبق الهرب من المشكل هو ثلثا المرجلة إن لم يكن كلها في هذه الظروف؟ أم إن حسابات المغامرات لم يأت على حساب بيدر التسويات؟
ثمة من يتساءل إذا كان حفنة من الأسرى يستأهلون هذا الكم الهائل من الدمار والخراب الذي أتى على لبنان جراء العملية، والسؤال يطرح نفسه أيضا فلو كان ابن احد هؤلاء المتسائلين هل يقبل بهذه المعادلة الحسابية الرخيصة؟ أم أن السيادة والاستقلال بات يكيّل بالبطاطا والباذنجان وهي سلعة تباع وتشتري بالدراهم والريالات؟ ألا يعني الأسر أو بعض الأرض جزء من السيادة والاستقلال؟ وبالتالي إلا يستوجب استرجاع ما فات بثمن الأرض كلها بما فيها من شركات وأموال؟
ويتساءلون أيضا وأيضا عن الثمن والسياحة ومواسم الاصطياف، وما حصد لبنان، أهي خسارة لبنان اكبر من خسارة إسرائيل في هذا المجال؟ أفلا يعلمون أن خسارة إسرائيل هي اكبر بعشرات المرات وهو القول الفصل في تحديد ساعة الصفر للبدء في المفاوضات؟ ألا يجوز التساؤل مثلا عن هدف إسرائيل بتدمير البنية التحتية اللبنانية وعن خلفيات إعادة الأعمار اللاحقة؟ ومن أين ستأتي المساعدات أو بالأخرى ما هو الثمن السياسي لهذه المساعدات أو الديون المتراكمة؟ أليس هدفها إجبار لبنان على توطين الفلسطينيين؟ ومن مشى أساسا في هذا المشروع؟ إن الرجوع للتاريخ يفهم ويعلم القاسي والداني في هذا المجال؟
ثمة من يتساءل عن قرار الحرب والسلم ومن ينبغي احتكاره. في المقابل أسئلة كثيرة تثار، هل تمكن لبنان يوما في اتخاذ قرار الحرب أو السلم؟ وأين كان دور الحكومات المتعاقبة في حفظ امن لبنان وحريته وسيادته واستقلاله؟ ألم تكن أول من يهرب من الإجابة على هذه الأسئلة؟ وأين كانت هذه النخوة والشهامة في بسط السلطة ونشر الجيش على الحدود الدولية؟ عندما كانت إسرائيل تعربد أرضا وجوا وبرا تختطف وتقتل وتنكل؟ وربما البعض يسأل أيضا أين استراتيجية المقاومة في الدفاع عن لبنان؟ ويثار السؤال مجددا هل المطلوب من المقاومة أيضا تحمل ما يعجز عنه العرب جميعا؟
وفي المقلب الآخر ماذا كانت تنتظر إسرائيل؟ هل كانت تنتظر أي حجة وأي تبرير لتنفيذ عدوانها؟ ام هي الحمل الوديع الذي ينتظر غدر الغادرين؟ ماذا فعلت إسرائيل في العام 1982 أم تحتج بمحاولة اغتيال سفيرها شلومو ارغوف في لندن لتنفذ عدوانها على لبنان وتبين أن هي نفسها من أعدَّت ودبرت هذا الاغتيال؟ أليس من السذاجة القول أن إسرائيل لم تكن تعد العدة لهذا العمل منذ زمن طويل؟ وربما من يقول إذا كانت المقاومة تدرك نيِّات إسرائيل لماذا عملها الآن؟ والرد أيضا هل ستنتظر إسرائيل وهي في مأزقها الكبير؟ وإذا كان الأمر متعلق بالأسيرين الإسرائيليين لدى المقاومة فالحل بسيط وهو بالتبادل سيما وأن سقف شروط المقاومة لم يكن عاليا ولا طويل؟ أم أن في الأمر أشياء أخرى متعلقة بحسابات إقليمية كثيرة وهي معروفة للجميع؟ ولماذا ركبت إسرائيل رأسها عنادا وتعنتا وهل تجوز الأسئلة حول الأجندة الإسرائيلية الأمريكية في الشرق الأوسط الكبير؟ أليست واشنطن وتل أبيب هما من يتحينان الفرص للإنقضاض على كل من يمانع ويقاوم المشاريع؟ وهل يعلم أن الذين يتساءلون هذه الأيام أن لبنان بكله وكلكله لن يكون سوى نقطة في بحر المطالب الأمريكية الإسرائيلية وان الثمن السياسي لهذا العدوان العسكري هو اكبر بكثير من حسابات السيادة والاستقلال وأقله تحييد لبنان وتوقيعه معاهدة صلح كما سبقت وجرَّبت إسرائيل في العام 1983؟ أم أن سعاة الخير والجميل يتحينون ذلك؟
وفي حساب المغامرة وقصر النظر والتوريط ثمة أسئلة ربما تكون مخيفة ومرعبة، من ورَّط الأمة العربية والإسلامية في جميع ما هي الآن فيه؟ أهي تلك الحركات المقاومة أم الأنظمة؟ ولماذا لم تقم بدورها وفسحت المجال راضية مرضية لغيرها في القيام بالأعمال التي تعتبر من واجبها القيام بها؟ هل حركات المقاومة قد زاحمت الأنظمة وسلبت دورها أم الخوف والتقاعس والارتهان هو الذي قوَّى ساعدها وبيئتها؟ وما هو الإنجاز الذي قدمته بعض الأنظمة العربية لشعوبها في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي لكي يتمَّ الإقتداء به؟ أليس بعضها قمع ناسه وشعبه في مقابل الادعاء بالتنطح لصد العدوان وردعه والبعض الآخر يتصرف على قاعدة خذ ما تريد ولا تقرِّب صوبي؟ ألم تجتمع هذه الدول آلاف المرات وأصدرت عشرات آلاف القرارات والتوصيات من أعطاها الانتباه أو حتى السمع؟ ألم تكن كل قراراتها هباء منثورا؟ وإذا انتقلنا إلى المال والسلاح والرجال إذا شئتم النساء أين هي مليارات العرب التي أنفقت على السلاح وعلى الخطط الاستراتيجية الدفاعية وغيره؟ أليس من حقنا التساؤل عن وجهة استخدامها أهي لمحاربة الإخوة والنخوة العربية فيما بينها أم لمحاربة الداخل فيه؟ في كلا الحالين الأسئلة مشروعة والإجابة عليها واجبة؟
أخيرا من يهوى المشاهدة والاستماع إلى الأسئلة الساذجة عليه أن يتحلَّق حول شاشات التلفزة إن تركت إسرائيل له كهرباءً، والا سيسمع فقط عبر أجهزة الراديو وسيفوِّت عليه مشاهدة الابتسامات الصفراء والوجوه الكالِحة، العابسة بك والتي تستفزك للقيام بواجب الانتفاضة والثورة على من جلب لك الذل والمهانة، تصرخ بوجهك قم يا أيها الجبان انتفض على من استفز إسرائيل الوادعة الحالمة بالسلام والوئام، قم وانفض عنك غبار الممانعة وقذارة الشرف والإباء، إن عصر المقاومة قد ولى يا أيها الغبي، فعصر الرخاء والسلام آت آت.
الحمد لله أننا فقراء بسطاء، سذج في حُبنا للمقاومة حتى العظم، هي أمننا وأماننا، سلامنا ورخاءنا، حياتنا ومماتنا، نعشقها عشق المؤمن لوجه ربه، نعبدها عبادة الأنبياء لربهم، نقدسها قداسة المقاومين لقدسهم، تجري في عروقنا وتحيا في قلوبنا وتعشش في عقولنا، هل تعلمون يا عرب؟ د. خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني