العجز- صفر: قصة عيد الميلاد الاسود في الارجنتين

بيونيس أيرس - من سيلفيا ماركيز
السقوط كان محتما.. عاجلا ام اجلا

بدأت الارجنتين عام 2001 وهي تترنح على حافة مشاكل مالية حيث كانت تجاهد للتخلص من أعباء ديون عامة تفوق 130 مليار دولار ومن ركود اقتصادي يزداد عمقا منذ عام 1998.
ومع اقتراب العام من نهايته يمكن القول أن الارجنتين قد أخفقت ليس فقط في تسوية ويلات الديون وأوضاعها الاقتصادية الكئيبة ولكن أيضا في مواجهة الثورة الاجتماعية المهلكة التي ضربتها والتي أدت إلى سقوط الرئيس فيرناندو دي لا روا.
ولشغل فراغ السلطة سريعا أدى السياسي البيروني أدولفو رودريجيز سا اليمين الدستورية الاحد كرئيس جديد مؤقت للبلاد لحين انتخاب رئيس جديد في آذار/مارس القادم. ولمعالجة الازمة الاقتصادية المتواصلة تحرك سا بسرعة وأعلن وقف سداد ديون الارجنتين الخارجية حتى يتم تقليص البطالة التي وصلت نسبتها إلى 18 بالمائة من القوة العاملة.
وكان دي لا روا قبل ثلاثة أيام فقط قد أمضى بالفعل النصف الاول من فترة ولايته ومدتها أربع سنوات. إلا أن ما شهدته البلاد من خراب بعد أعمال الشغب الجماهيري الواسعة التي راح ضحيتها 25 شخصا، علاوة على مئات الجرحى وتدمير عشرات المحال، قد عجل بسقوطه.
وتحول السياسي الراديكالي الذي ينتمي إلى الاتحاد المدني، والذي حقق النصر في انتخابات عام 1999 برغم شخصيته الصارمة، وذلك على أساس وعده بقيادة أمينة وبوضع نهاية للفساد والتسيب الحكومي المتفشي، تحول ليصبح الان مثار سخرية ومحل مسئولية عن كوارث البلاد.
ويبدو أن المواطنين قد نسوا أن الارجنتين لم تلجأ إلى الاقتراض بتهور ولم تصر على التمسك بسعر الصرف المتعادل بين الدولار والبيزو سوى في عهد الرئيس البيروني كارلوس منعم، وهو ما يتفق معظم الاقتصاديون الان على وصفه بالسياسة الخاطئة في ظل اقتصاد لا يحقق أي نمو.
وقد سعى دي لا روا (64 عاما) بالفعل إلى معالجة أعباء ديون الارجنتين من خلال الحفاظ على دعم صندوق النقد الدولي لبلاده.
إلا أن الصندوق طالب باتخاذ إجراءات تقشفية صارمة من شأنها أن تشكل عبئا ثقيلا على المواطنين وتدفعهم بالتالي إلى إثارة القلاقل.
وأشعلت الاجراءات التقشفية معارضة من جانب الحزب البيروني وحزب فريباسو، الشريك في ائتلاف يسار الوسط الحاكم، وكذلك من داخل حزب دي لا روا نفسه ومن النقابات العمالية القوية.
وكان الرئيس السابق، الذي بدأ تدريجيا في فقدان نفوذه مع انشقاق الائتلاف الحاكم، قد عين في آذار/مارس الماضي دومينجو كافالو وزيرا للاقتصاد في خطوة استهدفت تقليل الانتقادات الموجهة لسياسته الاقتصادية.
واعتمد دي لا روا في هذا التعيين قبل كل شئ على الشعبية التي كان يتمتع بها كافالو أثناء شغله لمنصب وزير الاقتصاد في أوائل التسعينات ونجاحه في الربط بين الدولار والبيزو وفي وقف التضخم.
غير أن كافالو لم تكن لديه بعد عقد من الزمان نفس الفعالية، علاوة على أنه لم يظهر سوى القليل من الفطنة السياسية بسبب ما هو معروف عنه من تصريحات حادة خارجة عن المألوف في الكياسة.
وانهمك كافالو في وضع خطة تقشفية أكثر حدة أكملها في تموز/يوليو الماضي وعرفت باسم برنامج "العجز- صفر". وتقصر هذه الخطة الانفاق على ما يدخل خزينة الدولة من عائدات ضريبية.
وتضمن برنامج "العجز- صفر" تقليص عدد العاملين في الحكومة وخفض المعاشات، وهو ما أدى إلى إثارة سخط العمال وأرباب المعاشات والعاطلين ودفعهم إلى إغلاق الشوارع وتنظيم تظاهرات احتجاج طالبوا فيها بإسقاط البرنامج.
واستمرت البلاد في ترنحها مع زيادة البطالة إلى نسبة 18 بالمائة في تشرين الاول/أكتوبر الماضي. كما أدى خفض النفقات إلى زيادة تباطؤ الاقتصاد الذي تقلص نموه بنسبة 2.4 بالمائة خلال الاشهر التسعة الاولى من العام.
ومع فورة الاستياء في الداخل، استمرت الارجنتين في تراجعها عن سداد التزاماتها الدولية.
وحتى برغم محاولتها، إلا أن الارجنتين لم يكن باستطاعتها التمسك بسياسة "العجز- صفر" التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، خاصة وأن الادارة الامريكية لم تعرض أي مساعدة. وبناء على ذلك تفاقم التخلف عن سداد الديون.
وبعد ذلك طرح كافالو برنامجا لمقايضة الديون يقوم بموجبه حملة السندات بمبادلة جزء كبير من الديون بشهادات ذات فائدة أقل كثيرا.
ومن خلال السندات المملوكة محليا، استطاعت الحكومة إرغام المستثمرين على القبول بالسندات الجديدة، إلا أن المستثمرين الدوليين احتجوا على ذلك قائلين أن الارجنتين تطالبهم بخصومات كبيرة للغاية.
ومع تدهور سوق المال وزيادة المخاطر المالية، ظهرت عمليات هروب واسعة لرؤوس الاموال مما هدد بانهيار النظام المصرفي.
ولكبح جماح هروب رؤوس الاموال وتأمين أموال لدفع أعباء الديون، أصدر دي لا روا وكافالو أوامر بفرض قيود مصرفية تحد من عمليات سحب الاموال ومن نقلها إلى الخارج وتقصرها على مبلغ ألف دولار فقط شهريا.
وزادت هذه القيود من التبرم والضرر السائد، حيث أنها حالت بين المواطنين العاديين وبين التصرف بحرية في أموالهم الخاصة. وتراجعت بالتالي حركة الانفاق في موسم أعياد الكريسماس، مما أدى إلى إغضاب واستياء أصحاب المحال.
أما القشة التي قسمت ظهر البعير فتمثلت في قرار صندوق النقد الدولي بعدم دفع القسط الذي كان من المفترض دفعه في كانون الاول/ديسمبر الجاري بقيمة 1.3 مليار دولار من القرض المخصص للارجنتين والذي كانت تحتاجه بشدة لسداد أعباء ديونها.
فقد أدى هذا القرار بالحكومة إلى الاندفاع في جمع الاموال من أي مكان تعثر عليه، كما أنه اعتبر أيضا بمثابة مؤشر من جانب صندوق النقد الدولي بأنه لم يعد مستعدا بعد الان لمساعدة رجل يغرق.
وعلى اثر ذلك، وقبل أسبوع واحد من احتفالات الكريسماس اندلعت أعمال نهب واسعة من جانب المواطنين الجوعى في ثلاثة من الاقاليم الرئيسية للبلاد وانتشرت لتعم مناطق أخرى. واشتبكت الشرطة مع المتظاهرين. ولم يكن لاخر التعهدات اليائسة للرئيس المخلوع دي لا روا بأن تقوم الحكومة بشراء كميات ضخمة من المواد الغذائية وتوزيعها على الاسر الفقيرة، أي أثر يذكر.
وبعد إعلانه حالة الطوارئ لوضع حد للاضطرابات، ناشد دي لا روا المعارضة البيرونية تشكيل حكومة وحدة وطنية لتجاوز الازمة.
إلا أن البيرونيين رفضوا الدعوة، وتم بالتالي إسقاط دي لا روا.
وفي رد فعل على أحداث الارجنتين أرجع الاقتصادي المكسيكي ريني فيلاريال انهيار حكومة دي لا روا إلى تثبيتها سعر الصرف المتعادل بين الدولار والبيزو ودفاعها عن ذلك بشدة حتى النهاية.
وقال الاقتصادي المكسيكي أنه ليس باستطاعة دولة تعاني من معدلات نمو ضعيفة ومن غياب العائدات أن تنجو بنفسها في ظل تعادل عملتها مع الدولار.
واستطرد قائلا "ليس بإمكان أي دولة في أمريكا اللاتينية أن تلعب على نغمة تثبيت عملتها أو المغالاة في تقييمها، واتخاذ ذلك سبيلا للحد من التضخم، لانها ستسقط إن أجلا أو عاجلا في مصيدة سعر الصرف، كما حدث في المكسيك في عام 1994 وفي البرازيل في عام 1999 وما يحدث في الارجنتين حاليا".