العبادي يرفض دعوات لزيارة السعودية بضغط من إيران

إزاحة صوت التحريض الرسمي على الفتنة

الرياض ـ رفض رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بشدة إلى حدّ الآن زيارة الرياض بعد أكثر من دعوة وجهتها اليه القيادة السعودية، ممثلة بالملك سلمان بن عبدالعزيز، بينما يقول مراقبون إن إيران هي التي تضغط عليه حتى لا يؤدي مثل هذه الزيارة مؤقتا لأنها لا تريد ان تتم في ذروة خلافات طهران مع الرياض.

وأعلن السفير السعودي في بغداد ثامر السبهان الاثنين أن الملك سلمان وجه للمرة الثالثة دعوة لرئيس الوزراء حيدر العبادي لزيارة الرياض، معربا عن أمله بأن تتم تلبية الدعوة "في القريب العاجل"، فيما أكد أنه لم يتواجد في العراق "منذ فترة طويلة".

وقال السبهان الاثنين إن "الملك (سلمان) وجه دعوة رسمية لرئيس الوزراء العراقي (حيدر العبادي) لزيارة المملكة من أجل فتح الملفات والتناقش في أمور عدة وتوحيد الرؤى وبناء إستراتيجيات سعودية عراقية على أسس عربية متينة".

وأضاف السبهان في تصريح لقناة "العربية" "أننا نأمل أن تتم هذه الزيارة في القريب العاجل لان من شأن هذا التواصل إلغاء أي احتقان على الساحة العراقية".

من جانب آخر، أشار السبهان إلى أن "هناك من يتحدث عن وجودي في الفلوجة أو البصرة أو مدن عراقية أخرى لكنني لست متواجدا في العراق منذ فترة طويلة".

يشار إلى أن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وجه في وقت سابق دعوتين رسميتين للعبادي لزيارة الرياض، لكن الأخير لم يلبِ أي منهما لغاية الآن.

وتحدث العبادي خلال مقابلة تلفزيونية سابقة، أنه لا يوجد تنسيق بين الجانبين العراقي والسعودي من اجل إجراء الزيارة.

وفي السياق نفسه ذكر مصدر سياسي رفيع المستوى الإثنين ان عدم تلبية العبادي لدعوة الملك سلمان له بزيارة السعودية جاء بقرار إيراني.

وترى طهران ان اقتراب السعودية من العراق يمكن أن يهدد بجدية مصالحها في هذا البلد.

ويضيف المراقبون ان طهران ترغب في ألا يحدث اي تطبيع بين العراق والسعودية على الأقل في المرحلة الراهنة التي تبحث فيها عن تخفيف حدة التوتر مع الرياض، وقد تكون سيطرتها على العراق إحدى الورقات المهمة في السياسة الإيرانية تجاه السعودية لإقناعها بأن جميع مصالحها في العراق وفي غيره من دول عربية اخرى تمرّ عبر التفاوض معها راسا لتخفيف حدة الخلاف بينهما، لا سيما وان هذا الخلاف يؤثر بشكل أساسي على الاقتصاد الإيراني وخاصة فيما يتعلق بإنتاج البترول، إذ ترفض الرياض اية زيادة كبيرة من ايران لسقف إنتاجها الحالي، وقالت في وقت سابق إنها لن توقع على اي اتفاق لخفض الانتاج دون ان تلتزم به طهران.

وترغب طهران في رفع حصتها داخل منظمة اوبك واستثنائها من اي اتفاق لخفض الإنتاج. ومن دون عقد تفاهم مع السعودية فإنه سكون من المستحيل عليها الاستفادة من رفع انتاجها مع ضمان عدم وقوع خفض كبير ومؤثر في الأسعار.

ويقول محللون إن إيران تدرك بوضوح أن هيمنتها العسكرية على العراق وسوريا ولبنان لم يجعلها الى حد الآن في موقف إقليمي أقوى من الموقف السعودي، رغم أن الإيرانيين مدعومين بروسيا في سوريا وبالولايات المتحدة في العراق. وعلى العكس، فإن طهران اكتشفت انها تخوض حرب استنزاف صامتة في المنطقة، لقدراتها المادية أساسا، من دون أن ترى نهاية في الأفق لهذا الصراع على نحو مثمر سياسي واقتصادي.

وهي لهذه العوامل وغيرها من العوامل التي لا يمكن توقعها في المستقبل القريب والمتوسط، ترى أن البحث عن تخفيف حدّة الصراع مع السعودية هو اقوم الطرق لتفادي مشاكل عديدة يمكن أن تمس الأمن القومي الإيراني وبشكل مباشر، إذ ان إيران لا تبدو في مأمن اليوم من تبعات الفوضى العرقية والطائفية التي أججتها في المنطقة، مع التحرك المسلح المحدود لحزب العمال الكردستاني الإيراني الأخير داخل الأراضي الإيرانية، وهو تحرك يقول مراقبون إنه قد يكون مؤشرا على أن اكراد إيران قد عزموا امرهم على التحرك لنيل مطالبهم الاستقلالية بقوة السلاح اسوة بباقي أكراد الدول المجاورة.

واتهمت أطراف ايرانية سياسية وعسكرية حزب العمال الكردي بأن يتلقى تمويلات من السعودية الأمر الذي نفاه الحزب بقوة مؤكدا انه يتعامل مع الأوضاع بقدراته الذاتية ودون ارتباط بأي طرف خارجي.

وتقول مصادر مطلعة إن طهران تسعى بجدية لتطبيع علاقاتها مع السعودية وإن هذه الرغبة تتأتى من إعادة قراءة موضوعية للمشهد الإقليمي، أكثر منها رغبة مبدئية وتوق للتهدئة الحقيقية مع خصم عنيد. حيث تأكد كبار القادة الإيرانيين أن "الوجه الآخر للنصر الإقليمي المؤزر على الوهابية التكفيرية" في المنطقة والذي تجلى في السيطرة المباشرة على ثلاث من كبرى الدول العربية وأهمها (العراق ولبنان وسوريا)، هو وقوع ايران في حرب استنزاف ضروس لمقدراتها المالية، إذ أن ايران قد تكون نجحت في تمكين عملائها في هذه الدول من السيطرة، لكن هذه السيطرة لن تتحول الى مرحلة من الاستقرار لتنتقل بعدها ايران للمرحلة اللاحقة على طريق إعلان "الهلال الشيعي" المشروع الاستراتيجي للحرب الطائفية التي تخوضها طهران في المنطقة والتي تخلت فيها عن ابسط قواعد الأخلاق والروابط الإسلامية الدنيا لعل من اوضح مظاهرها حروب الانتقام الطائفي في العراق.

وتريد طهران ان تفاوض الرياض على هذا التطبيع الثنائي للعلاقات، وهي تملك جميع أوراق المناورة من بينها السيطرة على قرار الحكومة العراقية.

وفي سياق مسعى إيران لتهيئة الظروف الملائمة للتفاوض مع الرياض، أصدر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، قرارا بتعيين حسين جابري أنصاري مساعدا له للشؤون العربية والأفريقية خلفا لحسين أمير عبداللهيان.

وكان موقع إيراني قال في وقت سابق إن السعودية اشترطت على إيران تغيير منصب عبداللهيان، من أجل خفض التوتر بين البلدين، وهو الأمر الذي نفاه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية حينها جابري أنصاري.

ويعتبر عبداللهيان من الوجوه المتشددة في الحكومة الإيرانية، وكان يمثل تيار المحافظين والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي في الخارجية الإيرانية.

وعمل عبداللهيان كسفير لإيران لدى دولة البحرين، وشغل بعدها منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون العربية والأفريقية، وبعد التوتر الذي حدث في العلاقات بين طهران والرياض كان له تصريحات نارية ندد فيها بإعدام المعارض نمر النمر.

وقال مراقبون إن الخلاف السعودي الإيراني بالمنطقة يعد من أبرز ملفات الخلاف التي أدت إلى إقالة أمير عبد اللهيان.

وتشير معلومات تناقلتها وسائل إعلام ومواقع الكترونية إلى وجود دور هام للوبي الايراني في الولايات المتحدة في اقناع طهران بعزل من أسماه ممثل الحرس الثوري بالخارجية الإيرانية أمير عبداللهيان، لإنجاح الحوار الإيراني السعودي.

ويعد عبداللهيان من أكثر الشخصيات عداء للسعودية وسياستها في المنطقة.

ونقلت مصادر مطلعة أن سلطنة عمان نصحت الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف بإقالة أمير عبداللهيان، كبادرة حسن نية لإنجاح الحوار بين السعودية وإيران في المنطقة، لأن تصريحات عبداللهيان المعادية للسعودية لا يمكن أن تساهم في تقدم أي حوار مستقبلا.

ودعت مسقط إلى هذه الإقالة حتى تستطيع نقل هذه الرسالة إلى السعوديين، لتكون مقدمة دبلوماسية هامة في فتح الحوار بين البلدين.

ويرى المراقبون للشأن الإيراني أن إقالة عبداللهيان مرتبطة بالحوار السعودي الإيراني في المنطقة، بالإضافة إلى الدفع الأميركي الواضح عن طريق لوبي "ناياك"، من أجل إعادة فتح الحوار بين السعودية وإيران حول الأزمات والحروب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

كم رأى مراقبون أن هذه التغييرات جاءت في ظل أنباء صحفية حول تغيير سياسة إيران الخارجية حيال عدة ملفات، أبرزها الأزمة السورية.

وقال ظريف لموقع "المونيتور" الأميركي في تقريره الأحد، إنه لا يمكن الوصول إلى حل سياسي في سوريا ما دام هناك تركيز على شخص بعينه، في إشارة إلى الرئيس السوري بشار الأسد، مشيرا إلى أنه يجب التركيز على عمل المؤسسات وشكل الحكم المستقبلي، على حد تعبيره.

ومن المؤكد أن طهران تخشى أن تسفر زيارة العبادي إلى السعودية عن تفاهمات ثنائية خاصة بين البلدين فيما يتعلق بالشق الأمني ووضع السنة في العراق في ظل حرب طائفية شرسة يشنها عليهم حلفاء ايران من المليشيات الشيعية المسلحة المتنفذة، يمكنها أن ترفع سقف الطلبات السعودية لإعادة تطبيع العلاقة مع ايران اساسا.

وتشكل المليشيات يد إيران الطولى في العراق، وهو ما لا يخفيه جميع قادة هذه المليشيات التي ترى حرجا في القتال ضمن مشروع إيراني اقليمي واسع.