العبادي والتحالفات الداخلية

ليس مهما ان يقوم المرء بانتقاد الشخصيات السياسة فقط لانه يختلف معها عقائديا او مصلحيا بل الاهم والاجدر من كل ذلك ان يكون النقد موجها لاداء وفكر هذه الشخصيات وبالنتيجة المؤسسة التي يتحكمون بتوجهاتها، كي لا يوضع هذا النقد تحت اي عنوان طائفي اعتاد الكثيرون استخدامه لاغراض التسقيط السياسي والثقافي ايضا في مجمتع تعصره يوميا مشاهد التشظي على اسس يجيد الكثيرون تمريرها كرسائل محددة لرؤية الواقع بطرق متنوعة ذات امتدادت واسس مذهبية بعيدة كل البعد عن المبادئ التي عُرف بها القادة الاوائل لهذه المذاهب.

في هذا الصدد يهمنا جدا كعراقيين التركيز على فكرة الاداء الحكومي في المرحلة السابقة وما خلفه من تركة لا زالت تلقي بظلالها على التحديات الجديدة التي تواجهها حكومة العبادي الراغبة اولا بكشف بعض من ملفات الفساد الكبيرة التي اطاحت بالعديد من الامنيات العراقية، وثانيا الكشف عن الشخصيات التي كانت تقف وراء كل هذه الاختلالات التي يبدو بانها حركة تشبه الى حد ما لعبة الدومينو التي يتم فيها الاطاحة باحد الاحجار الامامية للوصول الى الاحجار الاخرى الواقفة خلف المشهد والمتحكمة به بقوة.

المسار الاخر الذي يسعى العبادي وفريقه السياسي الى الخوض فيه يقوم على اساس اعادة ترتيب البيت العراقي من الداخل عبر خلق قاعدة تحالفات جديدة مع اولئك الذين خسرهم المالكي بالامس في ظل الخصومة العميقة التي ميزت فترة حكمه معهم. علما بان اسس تلك الخصومة وللامانة لم تكن بالضرورة تقوم على مرتكزات وطنية شاملة لرؤية ذات علاقة بحياة الوطن ومستقبله، بل كانت تقوم على اسس اخرى اقرب الى التخندقات التي صنعتها الجغرافية – السياسية الجديدة لعراق ما بعد 2003 حيث يسعى كل طرف الى البحث عن مستقبل اخر يتقاطع مع ما تشكله بغداد من رمزية مكانية كقطب جاذب تاريخيا لتطورات الحدث السياسي. مما يعني بان استمرار هذه التخندقات يمكن لها ان تُفشل بالنتيجة اي مساعِ تبذلها بغداد لاعادة ترميم العلاقات بين اطراف العملية السياسية.

ادرك العبادي جيدا ومنذ اللحظة الاولى بان تأطير المؤسسة الحكومية بوشاح الصِدامات واللغة الاستعلائية لا يمكن لها ان تفضي بالنتيجة الى سحب البساط من تحت اقدام داعش التي تعرف جيدا كيف تستغل الجغرافيا العراقية لمصلحتها بذات الطريقة التي تجيد بها اقتناص فرصة التمزق السياسي والمجتمعي الذي تغذيه صراعات الاحزاب العراقية. لذا كانت الخطوة الاولى المتوقعة للعديد من المراقبين هي العمل قدر المستطاع على تصفير المشكلات مع الاكراد باعتبارهم اقرب الاطراف التي يمكن اقناعها بجدوى التغيير وبالنتيجة استمالتهم لفكرة تعزيز الحد الادنى من التماسك السياسي الداخلي الذي يعد احد اهم المرتكزات المطلوب توافرها للوقوف بوجه الخطر المشترك الذي كان يتهدد بغداد واربيل ويضعهما بالنتيجة في ساحة واحدة لا مجال فيها للقتال المنفرد مع عدو شرس لا تهزمه الا الجهود المشتركة في حالة تراكم مضاف للقوة المطلوبة لتحقيق هذا الهدف.

بدأت الخطوة باعادة فتح ملف النفط والخلاف الشائك مع الاقليم حول موضوعه. وهنا لا يمكن لاحد بالنتيجة ان ينكر بان بغداد قدمت التنازلات المطلوبة في حالة تسابق مع الزمن لكسب هذا الحليف الذي يصعب الاستغناء عنه في هذه اللحظة الحرجة. رغم ذلك تصاعدت العديد من الاصوات المنتقدة لهذا الاتفاق التي تم التأكيد فيها على انه جاء على حساب نطاقات جغرافية اخرى حُرم اهلها من التمتع بمردودات الثروة النفطية لمصلحة الاقليم الذي يصرح العديد من قادته علانية بان علاقتهم بالمركز هي علاقة مؤقتة قابلة لفك الارتباط في اي لحظة تتهيأ فيها الظروف الاقليمية والدولية لاعلان الاستقلال بشكل كامل.

للانصاف ايضا نقول بان هذا النقد فيه مقدار عال من المصداقية والواقعية التي يتوجب على الاقليم ان ياخذها بنظر الاعتبار اذ لم يعد مناسبا بعد احداث الموصل وما تلاها من تهديد مباشر للطرفين على حد سواء، ان تستمر لغة لي الاذرع بينهما خاصة بعد ان ادرك الجميع بان هذه اللغة تضر بمستقبل استقرار الجميع دون ان يكون لها فائدة تذكر على الصعيد الشعبي الرافض لفكرة الصِدام القومي المؤطر بثوب المصالح الملوثة بالنفط. لذا فان الاقليم اليوم مطالب ايضا باعادة تأهيل مساره السياسي الذي تأثر كثيرا بقوى الضغط الممثلة للمصالح التركية التي تكشفت حقيقتها بالتخلي عن الاقليم في اكثر اوقاته الحرجة. لذلك فان الخطوة التي اقدمت عليها بغداد يجب ان ترافقها خطوات مشابهة من قبل الاقليم لقطع الطريق على من يسعى الى استدامة موضوع الازمة بينهما، والا فان الاستمرار بذات التوجه الفكري للممارسة السياسية سيفضي بطبيعة الحال الى انكشاف سياسي مضطرد يمكن له ان يغير الصورة ليجعلها اكثر سوادا مما هي عليه اليوم.

بالنسبة للطرف السني الذي وقع فريسة لتوجهات القوى الخليجية – التركية المتضاربة مع ايران والذي دُفع قسريا للوقوع في هوة الصراعات العنيفة مع المركز بحجة ان الحكومة هناك طائفية وهي بالضرورة حكومة ممثلة لمصالح ايران برأيهم، نجد العبادي وفريقه يسعيان الى ارسال رسائل تطمينية عبر اتخاذ اجراءات سريعة تهدف الى تسريع البحث عن حلفاء ممكنين في هذا الوسط الملغوم بالعديد من الجماعات المتشددة التي سرقت صوت الاعتدال السني وصادرته بالترهيب والقتل الممنهج. بعض تلك الخطوات الجيدة لحد الان كانت تتمثل باختيار وزير الدفاع وبتسريع انهاء ملفات القضاء الخاصة بابناء تلك المناطق فضلا عن اطلاق سراح المئات منهم مضافا لها خطوات اخرى كثيرة اسهمت مبدئيا في الغاء قاعدة الحجج التي استخدمها المتشددون لتجييش المجتمع السني ضد الحكومة المركزية، وهو ما سمح مؤخرا بتوفير القناعة لدى العديد من العشائر السنية الكريمة بعدم التحالف مع داعش التي اصبح خطرها معروفا لدى العديد من ابناء هذا المكون.

المشكلة التي تواجهها بغداد االيوم مع المكون السني تتمثل في عدم وجود نخبة سياسية مجتمعة تمثل هذا المكون للتوجه به نحو تقبل فكرة الانفتاح والحوار مع الحكومة والاسهام في لغة التنازلات المشتركة لمواجهة الخطر الوجودي الجمعي الذي يمثله داعش. والغريب في الامر ان واشنطن عمدت مؤخرا في محاولة منها لما تسميه بتجميع قوى الرفض السني بالعمل على دعوة الكثير من الشخصيات والفصائل التي عرفت بممارساتها العنفية بهدف اقناعها بالدخول في مفاوضات مع الحكومة. في حين كان يجدر بها العمل على عكس مسار هذا التوجه عبر عزل مثل هذه الشخصيات التي تأثر كثير منها باموال البترودولار باعتباره الموجه الحقيقي لادوارها السياسية. كما كان يجدر بواشنطن ان تعمل بدلا من ذلك على تقريب وجهات النظر بين بغداد والشخصيات المجتمعية والسياسية المعتدلة التي يمكن لها ان تسهم في عملية الترويج لفكرة المعارضة السلمية للسلطة في حال عدم التوافق معها على اقل تقدير.

يبدو بالنتيجة ان بغداد حتى هذه اللحظة قطعت نصف الطريق بشيء من النجاح الذي لا يمكن ان تكتمل مسبباته بدون ان تغير بقية الاطراف من رؤيتها السابقة للفعل السياسي والتوجه بدلا من خدمة المكونات التي تنتمي لها فقط نحو تشكيل رؤية متكاملة لمصلحة الامة العراقية بكل اطيافها، لانه الضامن الوحيد لاعادة التوازن لحياة العراقيين المستقبلية. لذلك فان المشاريع المطروحة بصيغها المتنوعة ذات العلاقة بالفدرالية وبتشكيل الحرس الوطني وبغيرها من القضايا المفصلية يجب الان التعقل بطرحها بعيدا عن لغة التخندقات التي تشكل مزاجا شعبيا مأزوما وقابلا للانفجار مع اي شرارة صغيرة قد تطلقها افعال السياسة غير المنضبطة في عراق هو اليوم بامس الحاجة الى من يفكر بكيفية ادارة الازمات واطفاء الحرائق بطريقة تتناغم وحجم التحديات الحالية، والا فان البديل لا يمكن له ان يتجاوز سيناريو التفكك الجغرافي المضرج بدماء الابرياء بحثا عن مصالح ضيقة سيدرك الجميع بعد فوات الاوان انها لم تكن تستحق كل هذه التضحيات التي كان بالامكان تجاوزها في لحظة تعقل وتفكر عميقة بالافاق المترتبة على خيارات اليوم وإرهاصاتها المستقبلية.