العبادي: إسلام سياسي أم دولة مدنية؟

تبدل الوجوه لا يعني شيئا النهج أولاً

لم تعرف السياسة العربية الإسلامية التداول السلمي للسلطة، فالتاريخ العربي كله ومنذ ظهور الاسلام حتى اليوم يحدثنا عن دسائس ومؤامرات وإقصاء بالقتل او تسليم الخليفة الأب لابنه الأمير، ولو أقدم رئيس الوزراء نوري المالكي على خطوته الأخيرة بالتنازل لصالح حيدر العبادي لكانت سابقة تحسب له. لكن، ومع ذلك فقد كانت الخطوة الديمقراطية الأولى في طريق السياسة العربية، وفضلا عن أنه جنبنا المزيد من الدماء فقد كان الرجل بمستوى المسؤولية، على الرغم من كأس السُّم الذي تجرعه.

ولا تبدو خطوة أميرنا (رئيس الوزراء)عربية إسلامية أو حزبية عربية فتأريخا مع الأسف لم يحدثنا عن شيوخنا الخلفاء والولاة أن قاموا بمثل هذه، ولكي نفحص خطوة السيد المالكي جيداً بمنظار السياسة المطلقة نجدها خارج المتن الديني للتداول، ترى هل أوجد الرجل الخلل وعمل بمقتضاه أم أنه عمل بما ليس في برامج السياسة الدينية، أو الدين السياسي؟ لكننا وفي قراءات سريعة لغالبية التيارات الدينية في الوطن العربي وأهمها الإخوان المسلمون، حزب الدعوة الاسلامية، الحزب الاسلامي العراقي، نجد أنها جميعا تتخذ من الدين الاسلامي منهجاً لا تعمل بموجبه، إنما تستثمره للحشد الجماهيري ومن ثم بلوغ السلطة.

باستثناء فصيل الأمر بالمعروف في السعودية وما قامت وتقوم به بعض فصائل المليشيات والقاعدة وداعش أخيراً لا نجد من التزم بالشريعة وحاول تطبيقها. هناك ممارسة سياسية حديثة في ظاهرها، تحاول ان ترسم صورة معاصرة لنوع النظام وإن كانت بقليل من التحضر وبتقويض للديمقراطية. ففي المملكة السعودية تقوم جماعة الامر بالمعروف بما لا تجرؤ على القيام به الحكومة، وفي العراق قامت المليشيات الشيعية المتطرفة بما لم يقم به حزب الدعوة، وفي المنطقة الغربية من العراق قامت القاعدة وداعش بما يقم به الحزب الإسلامي. وهكذا نصل إلى حقيقة تفصح عن مكنون التيارات الاسلامية وما تضمره من طرائق في سبيل الوصل للحكم.

تمارس الاحزاب الدينية العربية تعطيلاً لعجلة التطور وبناء الدولة على وفق المعايير الحديثة فضلاً عن افسحاها المجال واسعاً لظهور الحركات المتطرفة التي تحاول دائما ان تظهر بمظهر البديل الشرعي للإسلام السياسي، وهكذا ظلت الأحزاب تضع قدما على سلم المدنية وأخرى في وحل التخلف والغيب. وقد لاحظنا الخلافات على فقرات كتابة الدستور، حيث ظلت عبارتا (القرآن مصدراً للتشريع) (القرآن مصدرا من مصادر التشريع) نقطة خلاف إلى اليوم عند جمهور المشرعين الذين كتبوا ويكتبون الدساتير العربية، ونجد أن الدين وقوانيه تُستل من قبل الحزب والحكومة والخليفة أو الحاكم والمتولي بحسب مشيئته وحاجاته لها لا بحسب المصلحة العامة أو حاجة الناس لتنظيم حياتهم، بتلك وبهذه لم تتمكن الشعوب العربية كلها من بناء دولتها الحقيقية ذلك لأنها لم تتخذ دساتير وقوانين من صلب واقعها الذي صارت اليه بحكم وجودها داخل المنظومة الأممية .

ترى، وبعد ان اخفق المالكي في استقرار الدولة العراقية وبعد أن تحول العراق إلى مستنقع للإرهاب ووحل للطائفية والقتل على أساس الهوية الدينية . هل يعمل رئيس الوزراء الحالي الدكتور حيدر العبادي، القيادي في حزب الدعوة الاسلامية بمنأى عن تصوراته السابقة أيام كان عضوا في حزبه، وهل ستظل غمامة (قيامة)الدولة الاسلامية التي لم تقم ساعة من النهار في أي مكان من أرض العرب ملقية بظلالها عليه؟ أم أنه سيسعى لبناء دولة حديثة، مدنية، متحضرة، عملية، علمية لا تركن للخرافة، تسير باتجاه وجودها المعلوم بين دول العالم الحديث.

طالب عبد العزيز

شاعر وكاتب عراقي