العاهل المغربي يشن حربا على الفقر ومدن الصفيح

الرباط
تريد معرفة سبب الارهاب.. دور على الفقر!

أظهر العاهل المغربي محمد السادس في خطاب ألقاه انشغالا واضحا بالمسألة الاجتماعية، ومعالج ملف الفقر والتهميش والبطالة ودور الصفيح، وغيرها من توابع حالة القلق الاجتماعي، التي يعيش عليها قطاع واسع من المجتمع المغربي.
وقال الملك محمد السادس في هذا الصدد مخاطبا شعبه، "بعد إمعان النظر فيما استخلصته من وقوفي الميداني الموصول على أحوالك، في مختلف جهات المملكة، فقد قررت أن أخاطبك اليوم بشأن قضية تهم المغاربة جميعا في العمق. قضية تسائل كل المؤسسات، والفاعلين السياسيين والنقابيين، والاقتصاديين، والهيئات الجمعوية. بل إنها تشكل الهاجس الملح لكافة الأسر والمواطنين. أن الأمر يتعلق بالمعضلة الاجتماعية، التي نعتبرها بمثابة التحدي الأكبر، لتحقيق مشروعنا المجتمعي التنموي".
وأطلق الملك في خطابه "المبادرة الوطنية من أجل التنمية البشرية"، حتى تعمل عليها الحكومة، وجعل لهذه المبادرة سقفا حدد في ثلاث سنوات. وطغا على خطاب الملك، تماشيا مع هذا الاتجاه، مصطلحات من قبيل "الكرامة" و"العزة" و"المصلحة الوطنية" و"تعبئة كل المغاربة"، و"الانخراط الفاعل في العمل الجماعي، بدل الانغلاق المفضي إلى الطريق المسدود"، و"المواطنة الفاعلة والصادقة"، و"مساهمة السكان"، و"المقاربات التعاقدية والتشاركية"، و"دينامية النسيج الجمعوي"... وهي كلها مضامين ودلالات تصب في خانة تفعيل المجتمع بنفسه، من أجل لحمة اجتماعية وتضامن اجتماعي ومعالجة اجتماعية لملف الفقر والتهميش والإقصاء الذي تعيشه فئات واسعة من المجتمع المغربي.
واعتبر العاهل المغربي محدودية الموارد المادية، لا تصلح "مبرراً لقبول هذه الوضعية المزرية، التي لا نرتضيها لشعبنا الأبي"، كما قال فيه خطابه. ولخص الخطاب الملكي هذه المبادرة في أربع ركائز هي:
1- رصد المعطيات الموضوعية المتعلقة بالظاهرة الاجتماعية، وتتجلى، بحسب رصد العاهل المغربي، في "كون فئات ومناطق عريضة تعيش ظروفا صعبة، بل وتعاني من حالات فقر وتهميش"، وأن العديد من "الأحياء الحضرية الصفيحية أو المحيطة بالمدن، وكذا الكثير من الجماعات، التي يوجد معظمها بالوسط القروي، تفتقر إلى أبسط المرافق والخدمات والتجهيزات الاجتماعية الضرورية. وتعتبر مرتعاً خصبا لاستفحال معضلات الأمية والبطالة والإقصاء، أو الانقطاع عن التمدرس، وضعف فرص الشغل، والأنشطة المدرة للدخل".
ولا يكتفي الخطاب الملكي بعرض الوضعية "غير مقبولة" كما هي، ولا يكتفي فقط بتشخيصها، بل يطرح إمكانات معالجتها و"تغييرها إلى الأحسن". ويحذر الخطاب الملكي من أي "استغلال للبؤس الاجتماعي، لأغراض سياسوية، أو لإذكاء نعرة التطرف، أو لإشاعة روح التشاؤم والانهزامية واليأس"، لأن ذلك في نظره "أمر مرفوض أخلاقيا، باعتباره ضرباً من التضليل والمغالطة".
2- يراهن الخطاب الملكي في المقام الثاني على تحقيق سياسات عمومية مندمجة، "تتكامل فيها الأبعاد السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والتربوية والثقافية والبيئية"، وتتعبؤ لها كافة قوى المجتمع المغربي، بالنظر إلى أن عملية التنمية الاجتماعية عملية "معقدة وشاقة وطويلة النفس".
ويرفض العاهل المغربي اختزال هذه العملية في "مجرد تقديم إعانات ظرفية، أو مساعدات موسمية مؤقتة. كما لا يمكن التعويل فيها على الأعمال الخيرية، أو الإحسان العفوي، أو الاستجابة لوازع أخلاقي، أو لصحوة ضمير"، رغم إقرار الخطاب الملكي بأهمية هذه الأدوار.
وتطمح الإستراتيجية الملكية في هذا المستوى إلى "توسيع دائرة الاستفادة من الإمكانات المتوفرة، وإتاحة أكبر قدر من فرص الاختيار أمام كل المغاربة، رجالا ونساء"، معتبرا أن الإدماج الاجتماعي للطبقات الفقيرة والمهمشة "يعد شرطا أساسيا للعملية التنموية، ومحفزا قويا لها".
3- ويطرح الملك محمد السادس ضمن استراتيجية محاربة الفقر والتهميش خيار الانفتاح، "للانخراط في عالم يعرف تحولات متسارعة، وتغيرات عميقة"، وهو ما يدفع إلى مواجهة التحديات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، التي تفرض "أنماطا للعيش والاستهلاك، ونماذج فكرية كاسحة، لا يمكننا تفاديها أو تجاهلها"، كما قال.
ويعتبر الخطاب الملكي أن الحصانة الذاتية تقوم على التعبئة الاجتماعية الشاملة لكل المغاربة، "وانخراطهم الفاعل في عمل جماعي، بدل الانغلاق المفضي إلى الطريق المسدود، أو اللجوء إلى الحلول الذاتية، المنافية للمصلحة العليا للوطن".
4- ودعا الملك في خطابة إلى الاستفادة من التجارب السابقة في هذا المستوى، وكذلك من النماذج الناجحة لبلدان آخرى في "مجال محاربة الفقر والإقصاء"، التي تقوم على "المقاربات التعاقدية والتشاركية، ودينامية النسيج الجمعوي المحلي"، من أجل المصلحة العمومية لكافة فئات الشعب المغربي، كما قال.
واقترح الخطاب الملكي ثلاثة محاور عملية من أجل إنجاح هذه الخطة:
- مواجهة حالة العوز في بعض الأحياء الحضرية الفقيرة، أو الجماعات القروية الأشد خصاصة. ودعا الملك إلى تمكينها من "المرافق والخدمات والتجهيزات الاجتماعية الأساسية، من صحة وتعليم، ومحاربة للأمية، وتوفير للماء وللكهرباء، وللسكن اللائق، ولشبكات التطهير، والطرق، وبناء المساجد، ودور الشباب والثقافة، والملاعب الرياضية".
- تشجيع الأنشطة، التي توفر الشغل والدخل القار. ودعا الملك في هذا الإطار "الحكومة وكل الفرقاء إلى جعل المناظرة الوطنية المقبلة للتشغيل، فرصة سانحة لإجراء حوار واسع وبناء، واقتراح حلول عملية لبطالة الشباب".
- مراعاة الحاجيات الضرورية للأشخاص، الذين يوجدون في وضعية صعبة، أو لذوي الاحتياجات الخاصة، و"الحفاظ على كرامتهم، وتجنيبهم الوقوع في الانحراف، أو الانغلاق، أو الفقر المدقع".
وحدد الخطاب الملكي مراحل موضوعية متعاقبة لإنجاز هذه الخطة، تراهن على الأهم قبل المهم، على حد قوله، مؤكدا أنه سيتم في المرحلة الأولى تأهيل 360 من الجماعات الأشد خصاصة في العالم القروي، و250 من الأحياء الحضرية الفقيرة، العتيقة منها والعشوائية والصفيحية، المحيطة بالمدن، مع مساعدة خاصة "للمعوقين والأطفال المتخلى عنهم، والمتشردين، والنساء المعوزات، اللواتي لا سند ولا مأوى لهن، والعجزة والأيتام"، معتبرا أن "محدودية مواردنا المادية، ليست مبرراً لقبول هذه الوضعية المزرية، التي لا نرتضيها لشعبنا الأبي"، كما قال.
ومن أجل تفعيل هذه الخطوة في المدى القريب، دعا العاهل المغربي وزيره الأول إلى أن تنكب حكومته على تقديم خطة عملية ملموسة، وتقدمها في ظرف ثلاثة أشهر. وحمل العاهل المغربي الطبقة السياسية، المقبلة على استحقاقات حزبية وانتخابية، في أفق عام 2007، "أن تجعل في صلب اهتماماتها بلورة مشاريع ملموسة، لتجسيد هذه المبادرة" باعتبارها "المحك الحقيقي لإعادة الاعتبار للعمل السياسي"، مشددا على أنه يطمح على المدى البعيد إلى "الارتقاء بمؤشرات التنمية البشرية إلى مستوى البلدان المتقدمة".
ولتمويل هذه المبادرة، قرر العاهل المغربي أن ترصد "الاعتمادات الكافية، من الميزانية العامة للدولة، وذلك بشكل قار ودائم"، منتقدا الأساليب الترقيعية، والتدابير غير المجدية المعتمدة في السابق. وشدد على أنه "لن يتم اللجوء إلى أي ضرائب أو تحملات جبائية جديدة، لا على المواطن، ولا على المقاولة". واعتبر أن هذه المبادرة "ليست مشروعا مرحليا، ولا برنامجا ظرفيا عابرا، وإنما هي ورش مفتوح باستمرار"، ومن أجل ذلك لا بد أن تنخرط المنظومة التربوية في هذه المبادرة، كما قال.