العالم في عين متشائمة!

بقلم: جواد البشيتي

من ينظر إلى ما وراء الأكمة، ويطيل ويمعن النظر، لا بد له من أن يشعر بكثير من الخوف والقلق، فالعالم، الذي ينمو ويتسع "عولمةً"، يسير نحو الهاوية، مدفوعا بيد تشبه يد القضاء والقدر. لهذا العالم، الذي وُلِد من رحم انتهاء "الحرب الباردة"، وزوال احد قطبيه، أي الاتحاد السوفياتي، والذي انطلق مسرعا وبما يجعله يبدو متخطيا نقطة اللا عودة بعد 11 أيلول 2001، وبعد خروج المارد الإمبريالي الجديد من قمقمه، خصائص وسمات كثيرة، لعلَّ أهمها أنَّ أحدا ما عاد في مقدوره خداع احد على النحو الذي كان يحدث من قبل، وأنَّ كثيراً من الحقائق والمعلومات المهمة يُحْتَجز في مواضع حكومية تشبه لجهة صلتها بأبصار وأسماع الناس قلوب "الثقوب السوداء"، وأنَّ منسوب "القدرة على التوقُّع" في تراجع مستمر ومتزايد، فعالمنا اليوم إنما هو عالم النتائج التي تذهب بالتوقعات، وكأنَّ "القدرية" هي التي تتولى قيادته وحكمه.

إننا لا نتحدث عن تطوُّر في منزلة الحتمية التاريخية، وإنما عن مَيْل يقوى ويشتد، وعن مسار، أو عن بداية مسار، فالتطور في اتجاه معاكس ومضاد، أي في اتجاه إيجابي بالنسبة إلى البشرية، ما زال ممكناً، ولسوف يظل ضروريا.

إنَّ نسخة تاريخية معدَّلة من مجتمع روما القديمة، وعالمية ومُعْوَلَمة، هي التي شرعنا نرى ملامحها في عالمنا اليوم، فاحتكار "مجتمعات فئوية صغيرة مُغْلَقة" للسلطة والثروة ولقوى السيطرة والنفوذ والتأثير التي أنجبها التطور العلمي والتكنولوجي، هو الذي يتحكم اليوم، وأكثر من ذي قبل، في البشر والعالم؛ وهذا ما يتهدَّد البشرية بعبودية جديدة، قوامها جَعْل الغالبية العظمى من سكَّان الكوكب الأرضي في عجز متزايد، ومتسارع، عن تلبية حاجاتهم الأولية والأساسية، وفي مقدَّمها حاجتهم إلى الغذاء.

كان مالتوس يرى في الحروب، وما شابهها من جرائم تُرْتَكَب في حق الجنس البشري، خير حل لمشكلة "فائض السكَّان النسبي"، فالغذاء مهما ازداد لن يسمح للعالم بإطعام كل سكَّانه، ولا بد، بالتالي، بحسب شريعة مالتوس، من تقليص الحجم السكَّاني العالمي بأساليب ووسائل وطرائق كالحروب. أمَّا اليوم فيبدو أنَّ حلاًّ جديداً قيد التجربة والاختبار، ويمكن العمل به.

وقوام هذا الحل، الذي أنتجه وشجَّع عليه تنامي شعور المجتمع الضيِّق لأسياد العالم الحقيقيين بأنهم في بروج مشيَّدة، لا يدركهم الموت، وبمنأى عن كل خطر أو تهديد حقيقي وجدِّي، هو جَعْل "الحضارة"، بكل أوجهها ومعانيها، احتكارا لفئة اجتماعية ـ عالمية ضيقة، وتحويل الغالبية العظمى من البشر إلى ما يشبه العبيد، ينفقون جُلَّ، بل كل، جهدهم ووقتهم بحثاً عمَّا يقيهم شرَّ الموت جوعاً.

لقد هيَّأ التطور التاريخي لاحتكار الثروة والسلطة مع تطوُّر العلم والتكنولوجيا الأسباب والظروف لنشوء ظاهرة المجتمعات الفئوية الضيقة، التي انفصلت، وتنفصل، بدولها وحكوماتها ومؤسسات السيطرة والنفوذ التي تملك، عن المجتمعات والشعوب، وكأنَّ ما يشبه "المافيا" هو الذي يحكم العالم، ويتحكم فيه، اليوم، وهو الذي يُزاوِج ويَدْمِج بين قِمَم الأهرامات في الاقتصاد والسياسة والإدارة والأمن والثقافة والعلم والتكنولوجيا..

إنَّ فيضان الجوع والفقر والمعاناة الإنسانية بأوجهها كافة يوشك أن يأتي على غالبية البشر؛ وها هم صنَّاعه يصنعون معه ما يشبه "سفينة نوح"، أي عالمهم الصغير، الذي فيه تتركَّز الحضارة والرفاهية والعيش الرغد، وكأنَّ جنَّات عدن الأرضية لهم، وجهنَّم الأرضية للغالبية العظمى من البشر.

أمَّا أسلحتهم في الدفاع عن تلك "القلعة" فأهمها تجويع وإفقار الناس بوصف ذلك الوسيلة الفضلى للقضاء على ما لديهم من روح المقاومة للعبودية، والإفساد الإيديولوجي للعقول والمشاعر حتى يغدو ممكنا أن يجاهد الإنسان ضد نفسه ومصالحه وحقوقه، والقمع الذي يبتنونه من حجارة العلم والتكنولوجيا، وزج فقراء وجياع العالم، أي غالبية البشر اليوم وغالبيتهم العظمى غدا، في "حرب الكل ضد الكل" من خلال استحضار وإحياء ونشر وإذكاء كل عصبية كريهة تعمي الأبصار والبصائر، فـ "فَرِّق تَسُد"، في هذا المعنى الحيواني، هو سلاحهم وذخيرتهم.

من قبل، أي عندما كانوا يرون في نماذج اجتماعية أخرى ما يتهدَّد وجودهم وسلطانهم، مالوا إلى شيء من المهادنة والمسالمة والمجاملة الطبقية، فرَشُوا مجتمعاتهم وشعوبهم، وحسَّنوا العيش الاقتصادي لمواطنيهم، وأسبغوا لهم النفقة من الحقوق والحرِّيات الديمقراطية والسياسية والمدنية، فبدا تطبُّعهم متغلِّباً على طبعهم؛ أمَّا اليوم، حيث لا رادع يردعهم، ولا خطر يتهددهم، ولا خصم يُكْرههم على تجميل صورتهم، أو يكبح عدوانيتهم وميلهم إلى أن يكونوا على حقيقتهم العارية، فانتفت لديهم الحاجة إلى المهادنة والمسالمة والمجاملة الطبقية، واشتدت لديهم، في المقابل، الحاجة إلى أن يبتنوا لهم عالماً صغيراً في داخل العالم الكبير، وكأنَّهم في كوكب آخر، نقلتهم إليه سفينة فضائية ضخمة.

الرأسمالية التي شاخ فيها كل ما هو إيجابي، بالمعنى التاريخي والحضاري، والتي ما عاد في مقدورها أن تعطي وتأخذ إلا بما يجعلها نسخة من أسياد روما القديمة، هي التي عَوْلَمَت العالم، أي جعلته صغيرا متَّحِدا متَّصلا متفاعلا؛ ولكن على مثال مصالحها الفئوية الضيقة، التي تناصب كل مصلحة عامة العداء.

هذه الرأسمالية، بأنيابها النووية، وبدولها وحكوماتها التي ما عاد ممكنا تمييزها من "المافيا"، تكوينا وعملا ودورا، هي التي شرعت تعيد العالم إلى وحشيته القديمة التي توهمنا أنَّها أصبحت أثرا بعد عين، مهدِّدة الجنس البشري برمته. إنَّ قصتها كقصة فرعون، الذي لولا سلبية واستكانة وحماقة ضحيته لما "تفرعن"؛ أمَّا نحن فسوف نظل كنهر لا يملك تغييرا لمجراه ما دمنا نرى أنفسنا كذلك، ونؤمن بأننا كذلك، ونعمل بما يوافق ما نرى ونؤمن، فهذا الذي يحدث إنما هو ميل، وبداية مسار، فهل نجرؤ على كبح هذا الميل، ووقف هذا المسار؟! جواد البشيتي