العادلي.. ظالما أم مظلوما!

نحن إذا أحببنا عشقنا وإذا كرهنا ظلمنا. لا نعرف تحكيم العقل. حتى أمثالنا ترسخ هذا المفهوم وأهمها "القلب له أحكام" و"القلب ومايريد" وكأن هذا القلب ديكتاتور يلغي العقل ونسلم بما يقوله لنا تسليما.. ومع أن القلب مشتق من التقلب والمزاجية.

مناسبة هذا الكلام هو الإنطباع الذي ساد بر مصر عقب سماع حبيب العادلي وزير الداخلية الاسبق في مرافعته عن نفسه لمدة اسبوع من تهمه قتل الثوار. المصريون شاهدوا المحاكمة منقسمون إلى أربع فرق وكلها رأيها سابق التجهيز قبل أن تشاهد. الأول يرى أن العادلي مجرم وشيطان وقاتل وأن المحاكمة صورية وستبرأه لأنه ليس هناك دليل مادي ضده. والثاني يعتقد أن ثورة يناير ما هي إلا مؤامرة قذرة قام بها الأتراك والأميركان والإخوان والقطريون وهؤلاء هم من يجب محاكمتهم وليس العادلي. الفريق الثالث يترحم على أيام العادلي والأمن والأمان اللذين عاش فيهما المصريون وفقدناهما مع ثورة يناير، وهؤلاء كانوا يشاهدون محاكمة العادلي بوله وشغف شديدين ويقولون براءة إن شاء الله.. ويضيفون إذا كانوا غير قادرين على الإرهاب يطلعوه من السجن اسبوعا واحدا، يلم الثعابين والأفاعي ويدخلهم جحورهم وبعدين يرجع يا سيدي السجن مرة أخرى. الفريق الرابع من الإخوان الذين ذاقوا الويل خلال فتره توليه وزارة الداخلية لمده 14 عاما وهؤلاء أصدروا الحكم ضده بأنهم سيغتالوه إذا لم يصدر بشأنه حكم إعدام.

أنا شخصيا نظرت إلى الرجل بمنطق اخر وهو انه متهم يدافع عن نفسه ضد جريمة عقوبتها الإعدام أو المؤبد. من ثم فانه قد يكذب أو يمثل أو يستشهد بالقران أو ربما ينطق بالصدق لأن المرارة تقطر من صوته. وطبيعي الا ينظر إلى يناير على أنها ثورة وهي التي أطاحت بالنظام كله الذي كان ينتمي إليه، كما أنها كشفت ضعف الجهاز الأمني الذي سمعنا الأساطير عن قدراته وبراعته وإجهاضه للمؤتمرات، فاذا بهذا كله وهم أو خيال.

من ثم فقد أنصت إليه بمنطق محايد لا معه ولا ضده. لم أتأثر بدموعه أو صوته المتهدج وخرجت بانطباعات قسمتها إلى جزأين، معه وضده. فمثلا أنا مقتنع تماما أن حبيب العادلي لم يصدر أوامر مباشرة وقاطعة بقتل المتظاهرين في التحرير أو مكان اخر. واقتنعت بحديثه عن عدم استعانه الداخلية بالقناصة المحترفين لقتل المتظاهرين. فتلك مهمة لا تحتاج إلى قناصة إلا لو كانت الداخلية تريد وسط ذلك الزحام اغتيال أسماء بعينها من ناشطين ومعارضين وإخوان ورافضين لمبارك أو للعادلي شخصيا.

وافقته على أن معظم الذين كانوا حريصين على إقتحام مقرات أمن الدولة وإحراقها كانوا غالبا من الذين يريدون إما الحصول على ملفات الاخرين وإستخدامها إما للإبتزاز أو تحقيق المصالح السياسية والإعلامية أو حتى لمجرد التباهي بامتلاك معلومات سرية تخص اخرين. وكنت أعرف قبل كلمة العادلي بأن الداخلية كلها لم تقم بتفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية وأن العادلي بريء من هذا الإتهام وايضا حسن عبدالرحمن الرئيس الأسبق لمباحث أمن الدولة. كما أوافق حبيب العادلي أيضا على انه لم يكن وحده صاحب قرار قطع الإتصالات في يناير وإنما كان قرارا جماعيا شارك فيه أحمد نظيف كرئيس للحكومة والمشير حسين طنطاوي كوزير للدفاع ووزيرا الإعلام والإتصالات. فإذا كان القرار خاطئا - وهو خاطيء بالفعل - فلماذا نحاسب حبيب العادلي وحده ونترك الاخرين دون مساءلة؟

لكنه كذب

أما الذي لم أكن فيه مع حبيب العادلي ولم أقتنع بما يقوله فهو كثير جدا. فلم أصدق مثلا أن الرجل كان على وشك الإستقالة والتقاعد الإختياري لو لم تقم الثورة في يناير. فالإستقالة أو التقاعد بحثا عن الراحة والإسترخاء يتناقضان مع شخصية حبيب العادلي وقوته واعتزازه الدائم بنفسه. ومن هم مثله يبقون فوق مقاعدهم طالما لم تجبرهم سلطة أعلى على الإبتعاد والإعتزال. كما أن حبيب العادلي منذ أن قام بحربه الكبرى ضد الإرهاب كانت له عداوات كثيرة حقيقية سواء في صفوف الإخوان أو الجماعات الإسلامية المستأنسة أو المتشددة. ورجل بكل هذه العداوات لا يستقيل أبدا من تلقاء نفسه لأن الحماية التي سينالها كوزير داخلية سابق قطعاً ليست مثل حماية رجل لا يزال جالساً على مقعد وزير الداخلية.

لم أصدق أيضاً كل حديث حبيب العادلي عن مسألة توريث الحكم لجمال مبارك والحوارات التي قال إنها دارت بينه وبين مبارك الرئيس الأسبق. فنحن أمام وزير داخلية يحذر رئيس البلاد أكثر من مرة من إشاعات التوريث التي باتت تتردد في كل مكان وعلى ألسنة الكثيرين. ولو كان مبارك فعلا غير معترف بالتوريث نافيا له تماما حسب شهادة حبيب العادلي فقد كان من السهل جدا أن يؤكد ذلك علنا ويطلب من جمال مبارك الإبتعاد قليلا عن السياسة وترك لجنة السياسات بالحزب الوطني لينهي هذا الأمر تماما، خصوصا أن رفض الشعب والجيش التوريث مع الإنتخابات الأخيرة للبرلمان قبل يناير كانا من العوامل المباشرة التي أدت إلى الثورة. ولم أقتنع أيضا بما قاله العادلي عن تلك الإنتخابات البرلمانية في 2010 وأنها لم تشهد أي تزوير وأن الأغلبية الساحقة التي نالها الحزب الوطني كانت فقط نتيجة إحجام الكثيرين عن خوض هذه الإنتخابات.

لم أفهم حديث العادلي عن إنسحاب الشرطة وإن كان لم يصدر أمرا بذلك فأين وكيف ولماذا اختفت الشرطة في الثامن والعشرين من يناير؟ وهل يمكن أن يجري هذا الإختفاء بمحض المصادفة؟ وهل تشابه تفكير رجال الشرطة في مختلف محافظات مصر وتطابق إلى حد أنهم يقررون جميعا الإنسحاب في وقت واحد دون أن يكون هناك أي تنسيق ناتج عن قرار من سلطة أعلى يحترمونها ويلتزمون بتعيلماتها؟

وأخيرا تبقى حكاية المؤامرة وتخطيطها ومشاركة رجال حماس. وهنا احترمت كثيرا وجدا ذكاء حبيب العادلي. فهو يريد الإعتراف بالخطأ الذي وقعت فيه وزارته وهو شخصيا وقال بالفعل إنهم تعرضوا للخداع ولم يجيدوا او يحسنوا توقع ما سيجري. لكنه في نفس الوقت يريد الدفاع عن وزارته نافيا أي تقصير أمني. وتخيل العادلي أن كلامه هذا ممكن أن يمر ويعلق فقط في ذاكرة الناس الحديث عن المؤامرة وعدم التقصير الأمني وينسون التناقض الواضح في هذا الكلام.. تناقض صارخ أيضا. فكيف لا يكون هناك تقصير أمني بينما هناك مؤامرة تمت بكل تفاصيلها التي كان يعرفها مسبقا هذا الجهاز الأمني. وإذا كان العادلي قد قال في المحكمة إن الإخوان وحماس أشعلوا السويس بالقصد من أجل مرور القتلة إلى القاهرة. فهو كلام يدين العادلي ووزارة الداخلية التي كانت تعلم لكنها تعرضت للخداع ببساطة هائلة.

والان أعرف أن حديثي هذا لن يرضي عنه أولئك المتطرفون في الجانبين، الذين لا يرون في العادلي الا شيطانا يستحق الرجم وقرروا هم أن يكونوا قضاة دون حاجة إلى هذا المستشار الجالس فوق منصة عدالته، والذين في المقابل يرون العادلي ملاكا لم يخطئ أو يتجاوز في أي شيء وانه كان طوال هذا الوقت ضحية لمؤامرة كونية شارك فيها الجميع نكاية في مصر وكراهية لها ولمبارك ولحبيب العادلي. ولكنني قررت ألا أكون القاضي الذي يصدر الأحكام. وقررت ألا ألغي عقلي مكتفيا بالتصفيق أو السخرية والشتيمة.

لم أقتنع بكل ما قاله العادلي ولم أصفق له أو أتعاطف معه. لكنني في المقابل احترمت ثبات حبيب العادلي وقوته. فلم يهتز ولم يرتعش ولم يخف. وأنا أحترم الرجل الذي لا ينكسر حتى إن أخطأ. ولا يستجدي الشفقة أو العطف من أي أحد حتى لو كان الأمر يتعلق بحياته نفسها. وأنا لا أزال أعلن الحرب على سياسة الأبيض أو الأسود التي باتت مصر كلها ضحية لها. فليس هناك إنسان واحد منا يمكن رسمه فقط بالأبيض أو الأسود.. حتى حبيب العادلي نفسه.. حتى حسني مبارك.. وأي شخص أخر.