العاتي يؤرخ لأعلام وتيارات في التجديد الإسلامي

المنامة
جهاد العلم والثقافة

يخلص العراقي الدكتور إبراهيم العاتي في كتابه "آفاق التجديد الإسلامي: أعلام وتيارات" إلى تأكيد أن تطور المناهج التعليمية في البلدان الإسلامية وخصوصا مع انتشار الجامعات الحديثة التي كانت بديلا عن المدارس الدينية والحوزات أنتج تغريبا ثقافيا لدى طلبة هذه الجامعات، ذلك أن الاهتمام بالعلوم الدينية تراجع لدى طلبة هذه المدارس. بل إنه يذهب إلى حد القول بأن رواد التعليم الجامعي في الكليات الحديثة "تبنوا المناهج والفلسفات الغربية بشكل كامل".
وبالنظر إلى الوعي بخطورة هذا الوضع على الأمة الإسلامية تكوّن في أواخر القرن الثامن عشر تيار من المجددين والمصلحين الذين حاولوا التوصل إلى حلول بديلة تضمن تحديث مؤسسات التعليم الديني العالي، وتقي الطلبة خطر التبعية الثقافية للغرب، فتكونت بذلك الجامعات والكليات الدينية.
ويشير العاتي في كتابه الذي صدرت طبعته الأولى عام 2003 عن "مركز دراسات فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد" بالتعاون مع "دار الهادي للطباعة والنشر" في بيروت إلى أن هذه الجامعات استقطبت آنذاك مجموعة من العلماء والمشايخ ممن أسهموا في إحداث توازن نسبي ما بين الحداثة والتقليد في الدراسة والتكوين.
يحتوي كتاب "آفاق التجديد الإسلامي: أعلام وتيارات" على 210 صفحة من الحجم المتوسط، قدم فيها الكاتب، في ثمانية فصول، سبعة من العلماء الشيعة ممن أسهموا في الحركة الإصلاحية التجديدية، وخصَّ كل معلم منهم بفصل من الكتاب تناول فيه بالدراسة سيرته الذاتية بالتوازي مع الرسالة التربوية والإصلاحية التي اضطلع بها.
واختار العاتي أن يكون جمال الدين الأفغاني مدخلا لحديثه عن المصلحين المسلمين الذي يرى فيه "مجدداً للتراث العقلي في العصر الحديث"، ذلك أن الأفغاني الذي رفض التقليد الأعمى للغرب كان يعي أن الغزو الثقافي ما هو إلا بوابة الغزو الإستعماري.
ويعرض الكاتب في الفصل الثالث من الكتاب إلى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وهو من أبرز العلماء والمصلحين المسلمين، كان صاحب مشروع للتجديد العلمي والإصلاح في العلوم الدينية كما في الفقه، انشغل بهمِّ توحيد الأمة، وكان يرى أنه الضروري أن يتدخل الفقهاء في الميدان السياسي.
أما الفصل الرابع من الكتاب فخص به العاتي السيد هبة الدين الشهرستاني الفقيه المجدد، ذلك أنه كان "يدعو المسلمين للحفاظ على الدين والوطن، ويحثهم على تأسيس الجمعيات التي تنظم شؤونهم وإصدار الصحف ونشر المعارف والعلوم، ولم ير ضيراً في الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة وإنجازاتها شرط عدم تصادمها مع عقيدة الإسلام".
وفي الفصل الخامس تحدث الكاتب عن السيد محسن الأمين الذي صاغ مشروعا للإصلاح الثقافي والإجتماعي والديني، ودعا إلى تعليم المرأة، واعتبر أنه من الضروري تخليص العزاء الحسيني مما علق به من شوائب، كما أسس العديد من الجمعيات ذات النشاط الإجتماعي.
وتحدث الباحث في الفصل السادس عن السيد عبدالحسين شرف الدين الذي جمع إلى الجهاد من أجل الوطن جهاد العلم والثقافة، ودعا إلى أن "لا ينشر الهدى إلا من حيث انتشر الضلال"، فأنشأ مجموعة من المدارس الجعفرية لعبت دوراً مهما في تحقيق نهضة لبنان، وعمل على تكريس مبدأ الوحدة في المذهب دون تكريس الطائفية بين أبناء البلد الواحد.
وفي الفصل السابع تطرق الباحث إلى سيرة الشيخ محمد رضا المظفر الذي اهتم بإصلاح النظام التعليمي في الحوزة، وأنشأ "جمعية منتدى النشر" التي انتقلت بالدراسة الدينية من نظام الحوزات إلى نظام الدراسة الأكاديمية المنظمة، بالإضافة إلى تأليفه مجموعة من الكتب في مجال العلوم العقلية استخدم فيها لغة حديثة تتلاءم وطاقة استيعاب الطلبة، بالإضافة إلى عمله على توضيح الأصول الإعتقادية للشيعة الإمامية.
ويختم العاتي كتابه بالحديث عن السيد محمد تقي الحكيم الذي اعتبر أحد أهم المؤسسين لمسيرة التقريب بين المذاهب وإقامتها على أسس علمية، معتبراً أن هدف التقريب لا يتحقق إلا من خلال بسط كل القضايا موضع الخلاف مستخدماً في ذلك المنهج المقارن لحل هذه الإشكالات وبخاصة منها القضايا الكلامية.