الظاهر والباطن في مشاريع المفاوضات السورية الإسرائيلية

ضجّت الصحف الإسرائيلية بتسريب معلومات عن مفاوضات سورية إسرائيلية، وعلى الرغم من أنها لا تعتبر سابقة بين الجانبين، إلا أن غريب المفارقات تكمن هذه المرة وحسب التسريبات والتأكيدات الإسرائيلية أنها تجري في إطارين إسرائيليين متوازيين وبغير معرفة أصحابهما لطبيعة كل إطار، ودون تنسيق أو معرفة مسبقة، ما يشكل سابقة إسرائيلية داخلية فارقة في هذا المجال وله أبعاده وخلفياته، وبصرف النظر عن صحة أو دقة ما سُرب من معلومات ثمة ملاحظات عديدة يمكن أن تقال في هذا المجال ومنها:
- للمرة الأولى تعلن إسرائيل عن مفاوضات سرية وبالواسطة مع سوريا ويكتشف في نفس الوقت مسارين سريين منفصلين لا علاقة ولا تنسيق وحتى لا معرفة بينهما، والغريب في الأمر أن من يقود هذين المسارين موجودان في أعلى قمة الهرم السياسي والعسكري، الأمر الذي يفرض بطبيعة الحال وجوب التنسيق المسبق وعدم إبقاء المسارين سريين، الأمر الذي يعبر عن أزمة عميقة في داخل القرار السياسي الإسرائيلي على أعتاب انطلاق مؤتمر انابوليس بين الإسرائيليين والفلسطينيين.فالمسار الأول يقوده رئيس الوزراء أيهود اولمرت ويستهدف ابعاد دمشق عن طهران والثاني وزير الدفاع أيهود باراك ويستهدف المبادرة العربية للسلام على قاعدة الدعوة إلى مبادرة إسرائيلية تضم سوريا، بدل الانجرار إلى مبادرات "غير مريحة".
- إن وجهتي النظر الإسرائيليتين وفقا للمسارين هي مختلفتان لجهة الشكل والمضمون، فبالنسبة لأولمرت الذي اتخذ من تركيا وسيطا لتمرير رسائل للرئيس السوري بشار الأسد يأمل بمفاوضة سوريا في مسار مواز للفلسطينيين في مؤتمر أنابوليس، شرط فك التحالف مع إيران وعدم دعم المنظمات التي تعتبرها إسرائيل إرهابية، بمعنى آخر إن السلوك التفاوضي لأولمرت ينطلق من خلفية اللقاءات السابقة مع الجانب الفلسطيني الممثل بالرئيس محمود عباس وبالتالي هي محاولة الإيحاء أن المفاوضة مع سوريا ليست موضع مقايضة أو إهمال لمسارات أخرى ومنها الفلسطيني، إضافة إلى الشرط المسبق الذي يلامس العلاقات الاستراتيجية السورية الإيرانية وهو مطلب محرج لدمشق ويمثل خيارا صعب التحقق سوريا وسط ضبابية الوضع قي المنطقة الممزوج بين خيارات الحرب والسلم.فيما وجهة نظر باراك تنطلق من عزل الفلسطينيين وعدم تقدم أي شيء ملموس في انابوليس أو غيره على قاعدة أن المفاوضات مع الفلسطينيين لم تصل إلى مكان محدد بعد خمس عشرة عاما من المفاوضات السرية والعلنية، بمعنى إن باراك يدعو إلى استبدال التفاوض مع السوريين بدل الفلسطينيين كما يدعو باراك إلى صياغة مبادرة إسرائيلية للسلام تتضمن المسار السوري، بدلاً من المضي "وراء خطوات ومبادرات ليست مريحة لها، مثل المبادرة العربية"ولهذا الغرض عيّن القائد السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية، اللواء في الاحتياط أوري ساغي، منسقاً لمشروع التفاوض مع سوريا، من دون علم أولمرت، وهو ما يشكل مادة خلاف جديدة بين وزير الدفاع ورئيسه.
- وإذا كان السياق السالف الذكر يجمع الطرفين شكلا في المفاوضة مع سوريا فإن المضمون واحد يستهدف أولا وأخيرا مبادرة السلام العربية المقرة في مؤتمر قمة بيروت العام 2002 القائمة على قاعدة الأرض مقابل السلام وقرارات الشرعية الدولية التي تستنسخ مبادئ م وأسس مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد في العام 1991؛ وعليه إن رغبة إسرائيل في المفاوضات هي من باب العودة إلى بداية الطريق وخرائطه المطروحة أميركيا منذ العام 1991 وتحديدا لما أنتجت تلك المرحلة من اتفاقات لم ينفذ منها شيئا وبخاصة مع الجانب الفلسطيني وبالتالي إن المضي في نفس السياق يعني محاولة تل أبيب استنساخ التجربة نفسها مع دمشق.
وإذا كانت وجهة النظر الإسرائيلية بوجهيها السياسي والعسكري، فما هو الموقف السوري من مجمل ما يُسرب من اتصالات؟ وما هي الاستراتيجية السورية للمفاوضات مع إسرائيل وكيف تقرأها؟
ورث الرئيس السوري بشار الأسد ملفا متكاملا في مسار المفاوضات لجهة تحديد الأهداف والنتائج المرجوة وكذلك التقنيات والأدوات والوسائل، وكعادتها دأبت إسرائيل على تسريب أخبار عن لقاءات سرية مع سوريا، قابله نفي وتوضيح سوري كان آخره على أعلى المستويات من خلال الخطاب الأخير للرئيس السوري الذي وضع خارطة طريق يمكن استخلاص العديد منها وأبرزها:
- إن التشديد السوري على رفض المفاوضات السرية وهو أمر مألوف ومعتاد في القراءة السورية لوسائل السلام مع إسرائيل، قابله طلب سوري بإعلان صريح ومكتوب من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود اولمرت، أو عبر وديعة رسمية كالتي كتبها سلفه الأسبق اسحق رابين، وهذا يعني على الأقل أن ثمة جدية واقتناع كاملين كانت موجودة بالسلام في بدايتها من كلا الطرفين.
- إن مفارقة الموقف السوري ظهرت في إعلانها أن ثمة حركة بدأت في المرحلة التي أعقبت العدوان الإسرائيلي على لبنان وصدور القرار 1701 الذي أشار في إحدى فقراته على وجوب انطلاق بيئة سلام في المنطقة، ما يعني قدرة إسرائيل مرة أخرى لاستثمار نتائج العدوان على لبنان في اتجاه ملفات الصراع العربي الإسرائيلي ومن البوابة السورية تحديدا.
- إن خروج سوريا من لبنان قد أعاد خلط الوسائل والآليات الممكنة للمفاوضات بين الطرفين السوري والإسرائيلي، فترابط المسارين اللبناني والسوري لم يعد ممكنا من الناحية العملية، وبالتالي إن الموقف السوري سيعيد ترتيبات جديدة تحفظ له اذرع قوية في سياساته الخارجية وبخاصة مسائل السلام كما الحرب لذا يفسر موقف دمشق من التقرب من طهران وطريقة تعاطيها مع الملف العراقي.
- إن دمشق وفي هذه الفترة بالذات بحاجة إلى قراءات دبلوماسية متأنية لمجمل أوضاع المنطقة ذلك على أعتاب استضافتها القمة العربية القادمة والتي سيكون ابرز موضوعاتها مبادرة السلام، وبصرف النظر عن حظوظ انعقادها أو النتائج التي يمكن أن تتأتى عنها جملة مسائل ستربط ومنها الوضع اللبناني الذي سيكون مفتاح الحل والربط لقضايا كثيرة ومنها موقع سوريا في المفاوضات إذا حصلت على قاعدة الفرز والضم ، المقايضة والبدل في حسابات اللاعبين الكبار على حساب الصغار.
لقد تعرضت سوريا لضغوط هائلة من المجتمع الدولي بعد خروجها من لبنان على خلفية اغتيال الرئيس الحريري، وثمة قراءات كثيرة تشير أن ملف التحقيقات الدولية في عملية الاغتيال مرتبطة بقراءة سياسية لما يمكن أن تقدمه سوريا في مشاريع المفاوضات المقبلة، وهذا ما تعمل عليه إسرائيل وتدفع أميركا في اتجاهه، لكن السؤال الذي يطرح نفسه مجددا، هل أن إسرائيل جاهزة للسلام الآن وهل قادرة على دفع الأثمان المطلوبة وهي الأرض مقابل السلام؟ ثمة شكوك كثيرة باتجاه تلك القراءة.
إن تاريخ المفاوضات الطويل عبر العصور لم تنتج حلولا قابلة للحياة إلا بعد حروب طاحنة تعيد توازنات جديدة، فهل هذا الحراك القائم هو لعب في الوقت الضائع قبل ضربات الجزاء، إن عضّ الأصابع قد بدأ والكل ينتظر من سيصرخ أولا ليبدأ الهجوم، فهل ربيع الشرق الأوسط سيكون حارا؟ انه يبدو كذلك.
د. خليل حسين
أستاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية