الطيَّارة وصياد بلطيم

إذا متُ فدعوا الشرفة مفتوحة

هي فرصتي الوحيدة للابتعاد عن الدوائر الضيقة، والقطع الصغيرة، بل عن العبث، والجرائد اليومية.

هنا المحيط ضيق جدا، وأصوات هدير المحركات لا يتوقف، وقد أكون وحيدة لكنني أشعر بالحرية، وأن جناحي يحتضنان السحاب. فمن قال إنني تحت رحمة الغيوم أو الريح أو الأمطار؟

أنا هنا بعيدة عن القهر والقمع والظلم والأرض التي يصيد أهلها العصافير.

أشعر كلما حلقت بي الطائرة بعيدا أنني ألامس النور، أرى قرص الشمس بوضوح، ويداعبني شعاع القمر، يحتضنني السحاب ويغطيني، أستمع بوضوح لأصداء الترانيم، ودعاء المصلين والمبتهلين يردد قلبي ما حفظ من قرآن كريم وابتسم مطمئنة عندما أرى صديقتي (يارا) تقبل صليبا عالقا بصدرها.

وتبدأ الرحلة بدعاء يقترب كثيرا من السماء، هكذا أغادر الأرض فتبدو أمامي كذرات صغيرة متشابهة، لم أتعلق مرة بها بل كنت أسافر كثيرا بدون حقائب.

هكذا تصورت ما قد تكون قد سجلته سمر عز الدين صفوت مضيفة مصر للطيران - في مذكراتها.

وسأحاول أن أكتب في سقوط طائرة مصر للطيران، والتي سقطت فجر الخميس الخامس عشر من مايو/آيار، مخلفة أشلاء بحجم كف اليد وأصغر لجميع ركابها.

سأكتب باتجاه مختلف يتجاوز عبارات الأسى ويبتعد عن التأويلات والسيناريوهات المحتملة والمبررة لأسباب السقوط، فسواء أكان السبب عطلا فنياً، أم عملا إرهابيا، أم صاروخا إسرائيليا نتيجة المناورات الإسرائيلية لسلاح الطيران في المجال الجوي اليوناني.

فلن أرجح أيا منها ولن أستبق النتائج وخاصة أنني لست محللة سياسية، بيد أنني أرى أن القصة حتما تبدأ من مطار شارل ديجول، وربما تمر بجزيرة كريت اليونانية وسينتهي الفصل فيها في مطار القاهرة الدولي.

الغريب بقصة الطائرة أنها أوحت لي بمسار آخر مختلف عن خط سير الرحلة بل وتفسيراتها، مسار يقترب أكثر وبعمق إنساني جميل من صورة سمر عز الدين وهي تتنبأ فيها بمصيرها والذي تحقق بالفعل.

دون أن تشعر سمر صممت لوحة تعبيرية رائعة ربما تعد من أروع ما قدمت بحياتها. الأمر الذي جعلني أرى الأمر من زاوية فنية وهي "الفن التشكيلي وبانوراما الفن النسائي".

إن لوحة الفتاة الرقيقة سمر والتي رغم أنها لوحة تصويرية وليست مرسومة وفي ظل انتشارها وتداولها الشديد خاصة أنها ليست بالصورة التعبيرية الأولى التي يستخدمها بعض المثقفين والناشطين والحقوقيين بل والكثير من الناس العامة كتعبير عما يجول بخواطرهم ليس فقط تعاطفا بل ربما بحثا عن شيء بصري جمالي مفقود، الأمر الذي يطرح قضية ثقافية هامة، ألا وهي دور الفن التشكيلي في إثراء الوعي والثقافة ذلك الجزء البصري المهم في صنع الحقيقة وتخليد الفكر وصنع وطن أسطوري، بل ولماذا ابتعد الفن التشكيلي عن الساحة الثقافية، والأعظم لماذا اختفت البانوراما النسائية فيه؟

لقد توارى الفنان التشكيلي والذي يعد جزءا بصريا هاما في المجتمع، وذهبت قدرته في صنع الوطن الأسطوري الخالد.

بل صار الفن البصري أغلبه مشوها ملوثا، أحيانا كثيرة مستوردا لا يمثل روح الأمة ولا يعبر عن أصالتها.

كأن مصيره صار لغزا يحتاج لحل، أو كأنه سقط ضحية كغيره من الضحايا؟ وما يجعل الحالة مثيرة للجدل اختفاء بعض اللوحات التشكيلية التاريخية دون رجعة ودون معرفة لمصيرها أيضا، فخلال السنوات الأخيرة اختفت أكثر من لوحة في مصر، من أشهرهم لوحة "زهرة الخشخاش" لفان جوخ، والتي سُرقت مرتين آخرهما 2010، والتي اتهم فيها رئيس قطاع الفنون التشكيلية محسن شعلان والذي حكم عليه بالسجن، وهذا لا يعني التوصل للوحة المسروقة والتي تُقدر بـ 50 مليون دولار.

ومن قبل ذلك اختفاء لوحة الفنان محمود سعيد "ذات الجدائل الذهبية" ولوحات "الخط العربي" وهي المجموعة التي اُكتشفت بوكالة الغوري وتعود لعام 92 هـ، ولوحة "إنسان السد" للفنان عبدالهادي الجزار، و"الراهبة" آخر لوحات الفنان أحمد صبري والتي فازت بجائزة الشرف بصالون باريس 1929 ويقدر ثمنها بـ 75 مليون جنيه مصري.

هناك مشكلة حقيقية بالفن التشكيلي خاصة وأنه فن مصري عريق له خصوصية وله تنوع مثير بل وقد ارتبط منذ القدم بالهندسة المعمارية، فلم يكن فقط مجرد عناصر زخرفية ولوحات بل حركة ثقافية داعمة لحركة التنوير الفكري وأحيانا لدعم حركة الكفاح الوطني من أجل التحرير والاستقلال فأين هذا الآن؟

وعلى سبيل الإضافة العابرة هناك غياب قصري ومكثف وغريب للمواد الفنية والإبداعية والموسيقية في مدارسنا العربية على جملتها. فكيف اذا ندعوهم للتسامح والخيال المفتوح بل وحب الحياة؟

طائرة سمر الغارقة البائسة أيضا ذكرتني بطائرة جاذبية سري أول لوحة مصرية تكون ضمن مقتنيات متحف "المتروبوليتان" وهو أكبر المتاحف المخصصة للفن الحديث، كما أنها أول لوحة مصرية تعرض في متحف "المتروبوليتان" بنيويورك، اللوحة متدفقة بالحياة عالية الألوان طفولية المذاق، محفزة للخيال المفتوح والحيوية.

فهل اختفى هذا الحلم الجميل بالطيران والانطلاق، ولم تعد الطائرة رمزا للحرية؟

تذكرت أيضا لوحة "صياد بلطيم" للرائعة انجي أفلاطون، لوحة مبهجة بألوان طبيعية وعبقرية في التقاط حركة الطبيعة والإنسان والكائنات والزمن من أرض وشمس مصريتيبن.

الأمر الذي يجعلني أسأل أين اختفت ألوان الحياة في لوحات الفن بل وما مصير بانوراما الفن النسائي التشكيلي الآن؟

فقط أشارت سمر بلوحة طيرانها عما فقدناه وهو ليس فقط ضحايا لراكبي طائرة، لأن النهاية بأي صورة هي أمر محتوم والأجل له موعد لن يجدوا من دونه موئلا، ولا أعني مطلقا ألا يحاسب المسؤول. بل أردت أن أشارت هي أو أوحت لي بذلك أننا نفقد جمالا أقوى من الفناء ويعادل الحياة.

لذا أردت تحية تلك المضيفة الرقيقة التي صممت لوحة اختصرت فيها معادلة الحياة والموت وكيف أننا نرثي أنفسنا بل ونذهب لمصائرنا أحيانا بكل ثبات وشموخ وأتذكر هنا كيف رثا الشاعر الأندلسي الإسباني لوركا نفسه قائلا:

إذا متُ

فدعوا الشرفة مفتوحة

الطفل يأكل البرتقالة

من شرفتي أراه

والفلاح يحصد القمح

من شرفتي أسمعه

إذا مت

فدعوا الشرفة مفتوحة

فإلى كل ضحايا الظلم والعدوان، ستظل الشرفة مفتوحة، وسنرسم لوحة جميلة مفعمة بالحياة وستطير الطائرة عاليا وستقترب من الشمس ولن تخاف السقوط في بحر مهما كان عمقه فعلى قدر السقوط على قدر الارتفاع، فالنجوم المضيئة في السماء لا تبقى في نفس مكانها، لكنها حتما تظل منيرة.