الطوارق والصحراء: حقيقة ما وراء اللثام

حياتهم الحاضرة لا تليق بماضيهم المشرق

أبو ظبي – أصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة قيمة تحت عنوان" الطوارق والصحراء " وهي الدراسة الاولى من نوعها على المستوى العربي.
وتتمثل قيمة هذه الدراسة في طرافة موضوعها، الذي ظل تناوله، في العصر الحديث، حكرا على الدارس الغربي، وخضع الحديث عنه في غالب الأحيان للنظرة الاستطلاعية، أو الانتروبوجية بهدف السيطرة الاستعمارية، دون محاولة استكناه حقائق المجتمع وأبعاده التاريخية، ومشاكله الواقعية.
وبسبب هذه الكتابات المتحيزة أضحى القارئ العربي غير مدرك للصورة الحقيقية لمجتمع تحدثت الكتابات العربية القديمة عنه أنه كان ذا دور بارز في نشر الإسلام؛ بل إن تمبكتو عاصمة الإقليم الذي ينتمي إليه كانت حتى منتصف القرن التاسع عشر من أبرز حواضر الثقافة العربية والإسلامية، وما زالت حتى اليوم، ورغم الخطوب وعوادي الزمن، تحتفظ ببعض بريقها العلمي والثقافي.
وقد تناولت هذه الدراسة موضوع الطوارق والصحراء من ثلاث زوايا؛ فتساءلت في الزاوية الأولى عن الطوارق متتبعة دلالة الكلمة، وأصلها، وتاريخ المجتمع الذي تدل عليه، ودوره في الصحراء، وعاداته وتقاليده، وظروف عيشه، وآدابه، وتركيبته الاجتماعية، ومكانة المرأة فيه كل ذلك بعرض شيق ومختصر، وتوثيق حصيف لما كتبه خيرة الرحالة والمفكرين العرب في العصور الإسلامية عن هذا المجتمع.
و في هذا السياق بينت الدراسة أن اسم الطوارق قد يكون مشتقا من وادي "تاركة" الذي ورد ذكره في كتابات البكري، وهو الوادي المعروف حاليا بوادي "الساقية الحمراء"، وأن "تارجة أو تارقة" قبيلة من قبائل صنهاجة تكلم عنها ابن حوقل في القرن العاشر الميلادي، وذكر ابن خلدون بعد ذلك أنها عمرت صحراء الملثمين قبل قيام دولة المرابطين، وكان لها دور كبير في قيام تلك الدولة.
كما استقصت الدراسة بعض العادات والقيم مبرزة أن سمة البداوة والتشبث بالأصالة ظلت مرافقة لمجتمع الطوارق، الأمر الذي جعل ذلك المجتمع، حتى اليوم -يحافظ على عادة اللثام التي تنبه إليها الشعراء والمؤرخون قديما، وتباينوا في تفسير سببها.
وفي الزاوية الثانية وقفت الدراسة عند الصورة التي يقدمها الرحالة الغربيون، مبرزة ما يشوبها من تناقض، وما يتخللها من غموض وحقد بسبب الغايات الاستعمارية التي كانت تحركها؛ حيث كان الطوارق حينا رمزا للشجاعة والوفاء، وأحيانا صورة للعنف والغلظة والوحشية، كما رسمت الدراسة مشاهد من مقاومة الطوارق للمستعمر، والخسائر التي تكبدوها بسبب تلك المقاومة، وما لقيه الطوارق جراء ذلك من انتقام السلطات الاستعمارية؛ الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على واقعهم المعاش، حيث استهدفت السياسة الاستعمارية بلقنة المنطقة، وإعادة رسم حدودها، بحيث يكون مجتمع الطوارق مفتتا بين دول متعددة، ولا يستطيع تحيق ذاته في أي منها.
وتتبعت الدراسة في الزاوية الثالثة واقع مجتمع الطوارق في الوقت الراهن، وما يعانيه على المستويين الشعبي والسياسي من ظروف تمثلت في الحروب التي قامت أخيرا بين الحركة الوطنية لهذا الشعب وبين بعض الحكومات التي يتواجد بها، تلك الحروب التي خلفت ضحايا، وآلاف اللاجئين في موريتانيا والجزائر، وأفقدت كثيرا من الأسر منازلهم، فتآزر ذلك مع موجة الجفاف التي اجتاحت المنطقة، وكيف تمت المفاوضات بين الثوار من جهة، وبين تلك الحكومات من جهة أخرى برعاية بعض المنظمات والدول، وطبيعة الاتفاق الذي تم، ومدى إمكانية تطبيقه.
وفي الوقت الحاضر يعاني هذا المجتمع من ظروف سياسية واقتصادية نتيجة لسياسة الاستعمار القديمة التي وزعته على عدة بلدان، هذا فضلا عن وطأة الجفاف، وعدم تجاوب بعض البلدان مع مطالب هذا المجتمع الأصيل الذي ساهم بدور كبير في تاريخ المنطقة، والذي أفقده الجفاف وسائل عيشه، ووجد أبواب الدول التي ينتمي إليها موصدة في وجهه.