الطفيليات الرقمية تعبث بصناعة الثقافة العالمية

لندن
خيارات تدمر المحتوى

حذر كاتب متخصص بالثقافة الرقمية من قيام الانترنت بتدمير صناعة الثقافة عبر القرصنة الرقمية وتفاقم جشع الشركات الالكترونية وسحق النتاج الموسيقي والسينمائي والصحفي.

وقال الكاتب روبرت ليفين في مقال نشرته صحيفة "الغارديان" في عددها الصادر الاحد بعنوان "كيف دمر الانترنت سوق الافلام والموسيقى والصحافة" ان كبرى الشركات الأميركية لانتاج المحتوى الموسيقي والسينمائي فقدت مواردها لحساب القرصنة المتصاعدة على الانترنت.

واضاف ليفين مؤلف كتاب "رحلة بالمجان: كيف دمر الأنترنت صناعة الثقافة وكيف يمكن لصناعة الثقافة الدفاع" والذي صدرت طبعته الاميركية تحت عنوان "رحلة بالمجان: كيف دمرت الطفيليات الرقمية صناعة الثقافة وكيف يمكن لصناعة الثقافة الدفاع" انه كل الذي كان يباع صار مجانا سواء بشكل مباشر او عبر القرصنة الالكترونية.

واشار الى حال شبكة "ان بي سي" التلفزيونية التي فقدت مواردها وقلصت آلاف فرص العمل لديها بسبب شيوع المادة الالكترونية، وصحيفة "واشنطن بوست" التي اغلقت مكاتبها في مدن أميركية كبرى وأوقفت اصدار العديد من مطبوعتها بسبب ركود الصحافة الورقية لحساب الالكترونية على الانترنت.

وتواجه العديد من شركات الانتاج السينمائي المشكلة نفسها بعدم قدرتها على جمع ايرادات مقابل انتاجها بسبب ان الافلام باتت تصل الى المستخدم مجاناً على الانترنت عن طريقة القرصنة.

واشار روبرت ليفين الى ان الجمهور لم يفقد شهيته للصحافة والتلفزيون والسينما والمعارض، لكن كل نتاجات هذه الثقافة باتت تصله على كمبيوتره الشخصي بطريقة اسهل وارخص، الامر الذي دمر سوق صناعة الاعمال.

واستطاع موقع مشهور للقرصنة إعادة تسويق الالبومات الموسيقية بطريقة غير مشروعة، الأمر الذي خفض مبيعات الموسيقى إلى أقل من نصف ما كانت عليه قبل 10 أعوام مضت.

واصبح موقع "هافينغتون بوست" واحداً من أشهر المواقع الاخبارية على الانترنت عن طريق اعادة نشر المقالات والتقارير الصحفية على حساب الصحف اليومية الورقية التي اصاب سوقها الكساد.

ونبه روبرت ليفين الى ان هذا الوضع ليس النتيجة الحتمية للتكنولوجيا، اذا ان شركات صناعة المحتوى الثقافي لم تتوان في تطوير أدواتها وتقديمها بطريقة معاصرة للمستخدم، لكنها اصطدمت بازعاج وتطفل القراصنة.

وغير الانترنت كل قيم السوق، واستطاعت الشركات التكنولوجية التهرب من المسؤولية في الولوج الى سوق محطم مفتاح خزائنه.

غلاف الكتاب
وتقدم اليوم عشرات المواقع الالكترونية البومات الموسيقى المقرصنة، في حين هناك المئات من المواقع الاخبارية على الانترنت، ولا تكمن المشكلة في تفشي القرصنة وحدها، بل بعدم تصريح منتج العمل الفني بطريقة توزيعه على الانترنت، اضافة الى ضغوط شركات التوزيع لان عروض التوزيع على الإنترنت لا تغطي تكاليفها.

ولا تقتصر المشكلة المتصاعدة على المنتجين والموزعين في تعارض مصالحهم، بل ان محركات البحت مثل "غوغل" لم يعد يهمها بيع نتاج وسائل الاعلام، واضحت تقدم للمستخدمين المادة باسرع وقت ممكن بغض النظر عما اذا كانت قانونية أم لا، في حين تسعى شركة "أبل" لخفض الاسعار لترويج منتجاتها الفنية.

ويخلق تكتلات شركات وسائل الاعلام الكبرى مشكلة متصاعدة للفنانيين المستقلين او الشركات الصغيرة المنتجة.

وتعزز في كثير من الأحيان شركات التكنولوجيا الفكرة القائلة بأن توزيع "المعلومات يجب ان يكون بطريقة حرة"، الامر الذي دفع الباحث التقني ستيوارت براند للقول "المشكلة تكمن في التوزيع وتكاليفه، فلا يكلف شيئاً ارسال فيلم من هوليوود الى هونغ كونغ، لكن من يضمن حقوقه المالية؟".

وتبدو المشكلة الاكبر في صراع الشركات التكنولوجية مع المستثمرين في وسائل الاعلام لتطوير اعمالهم التجارية والجدل الاخلاقي المترتب على ذلك وعما اذا كانت تفكر هذه الشركات بالمستخدم عند تقديم المنتج أم بمصالحها الخاصة.

كما ان موقع "هافينغتون بوست" الالكتروني لا يهمه التنافس مع الصحف الورقية وهو يحدث مواده على مدار الساعة على الانترنت، ولا يهمه في تقديم خلاصات الاخبار ان كانت المسألة قانونية أم لا وكيف يحصل على مصادره بطريقة مجانية.

وكل هذا الصراع يصب في خانة المستهلكين الذين باتوا يحصلون على مايريدون باقل تكلفة مالية.

لكن المشكلة الاقتصادية -حسب المؤلف روبرت ليفين- ستنعكس على الشركات على المدى الطويل.

وستكون وسائل الإعلام المتعطشة للدخل غير قادرة على استثمار الفنانين باكبر قدر ممكن، وتصاعد الضغط على شبكات التلفزيون في تقديم مواد ادرامية جديدة، وستخفض الصحف من امكانية أعداد التقارير الخاصة بها وتعتمد على مصادر متشابهة مع غيرها.

وسيكون الأسوأ من هذا كله صعوبة الحصول على المال وتلاشي الابتكار واكتفاء المستخدم بالطبق الكبير لما يقدمه الإنترنت.

وخلص روبرت ليفين الى ان الضغط يتصاعد لفرض قانون عن حقوق التأليف والنشر على الانترنت، لكن الحقيقة صناعة الثقافة الالكترونية تعيش الفوضى في بنيتها التحية لاقتصاد القرن الحادي والعشرين.

وسبق وان التقي قبل عامين مخرجون سينمائيون ومؤلفون موسيقيون وكتاب وخبراء قانون وصانعو قرار لبحث في "التهديدات والفرص" التي يطرحها الانترنت على صعيد الملكية الفكرية في عصر التكنولوجيا الرقمية.

وقالت كاثي غارميزي المديرة المساعدة للشؤون الحكومية والدولية في نقابة "ديراكترز غيلد او اميركا" التي تضم نحو 14 الف مخرج في الولايات المتحدة ان القرصنة عبر الانترنت تشكل خطرا اكبر على صناعة السينما من تزوير اقراص "دي في دي" مع ان هذه الاخيرة لا تزال تشكل مصدر قلق كبيرا.

وقالت ان المندوبين المشاركين في القمة حاولون ايجاد حلول لمنع عمليات التحميل غير القانونية.

واوضحت "كما ان الانترنت عالمي فان مكافحة المشاكل يجب ان تكون عالمية ويمكننا ان نكسب فقط عندما يكون لدينا تحرك موحد".

واضافت "يجب ان نجد طريقة للتوصل الى اتفاق بين الذين يعتبرون ان الانترنت مجاني والفنانين الذين يبتكرون هذه الاعمال".

واوضحت "الامر لا يتعلق بفنانين مدللين او استديوهات غنية الامر يتعلق بفعل الابداع ومستقبله. ما من احد يمكنه لجم القرصنة كليا لكن هل بامكاننا ان نبقيها على درجة لا تقدر فيها على تدميرنا؟"

وتعتقد كارين كروكسون، المختصة في علم الاقتصاد بجامعة أكسفورد، أنّ القرصنة في بعض الحالات، تساعد على الترويج للمنتج الأصلي، والذي يحتفظ ببريقه أمام زيف المنتج المقلد.

وتوضح كروكسون أنّ بعض المواد الرقمية لا تتضرر بشكل كبير من تعرضها للقرصنة، بل قد يفيد ذلك الشركة الصناعية صاحبة المنتج، كما هو الحال بالنسبة لبرامج الكمبيوتر. إذ يحرص العديد من الأشخاص على اقتناء المنتج الأصلي لها، متجنبين بذلك عيوب المقلد، لذا فإنّ نسخ هذا النوع من البرامج وتوزيعه في مختلف الدول، وإن كان غير قانوني؛ إلاّ أنه يُعدّ أشبه بحملة ترويج لتلك المنتجات، تسهم في زيادة إقبال الزبائن على شراء المنتج الأصلي.